الأحد، 30 أكتوبر 2011
السبت، 8 أكتوبر 2011
نسخ الأجيال
اليوم بعد أن شاهدت أحد حلقات مسلسل بقعة ضوء عن مغترب عائد من أمريكا لزيارة بلده ليجد بأن من يعيش في البلد لا يلتقي بعضه إلا مرة كل عدة أعوام تذكرت أيام المرحلة الابتدائية. ربما من درس في مدارس سورية في فترة الثمانينات والتسعينات يذكر جيدا احد مواضيع التعبير الأساسية الذي كان عبارة عن رسالة إلى قريب مغترب للدعوة إلى العودة إلى الوطن مع سرد ووصف مزايا الوطن ومحاسنه ومساوئ الغربة ومشاقها.
أتساءل الآن، هل كان موضوع التعبير ذلك فيه أي شيء من التعبير من خيال الأطفال؟ أم هو مجرد نسخ لما يمليه عليهم معلم الصف من موضوع نموذجي يقومون بنسخه مرات ومرات؟ ماذا عن طفل ليس لديه أي قريب في بلد آخر، كيف يستطيع تخيل ما سيكتب عنه في الموضوع؟ ثم ماذا عن طفل لم يخرج من بلده طول عمره، هل سيستطيع حقا المقارنة بين محاسن الوطن ومساوئ الغربة؟
يخيل لي الآن بأن موضوع التعبير ذاك لم يكن أكثر من مجرد أداة من أدوات الدولة لاستعادة المغتربين و/أو من أجل رفع الوعي الوطني عند الصغار حتى قبل أن يعرف الصغار ماذا يجري خارج حدود بلدهم. لا أدري إن كان لازال موضوع التعبير ذاته يدرس حتى اليوم في المدارس، لكني واثق من أن تفكير الحكومة لم يتغير في موضوع استعادة المغتربين وذلك عن طريق إحداث وزارة المغتربين، ومؤتمرات المغتربين السنوية، وغيرها وغيرها. على مر الأجيال تعددت الوسائل والهدف واحد. الجميع مدرك لأهمية عودة المغترب ولكن لم ينجح أي من تلك الوسائل التي استنسخت عبر الأجيال بأشكال عدة بتحقيق الهدف.
الإنسان في تصرفاته يفعل الكثير مما تفعله الأم الطبيعة ذاتها من حيث النسخ والتكرار في المورثات والخلايا، وذلك عن طريق نسخ التصرفات والأعمال والإجراءات. لكن هل من الصحيح استمرار النسخ مع ثبات عدم نجاح الطريقة بانتظار طفرة قد تحدث أو قد لا تحدث؟ أم أن علينا كبشر نستطيع الحكم على الأشياء واتخاذ قرارات موجهة، القيام بنسخ الأجيال مع إحداث تعديلات مدروسة متوقعة النتائج؟ ربما هذا هو ما يدعى في علم الأحياء الفرق بين الطفرات الطبيعية والتعديل الجيني المدروس.
الجمعة، 7 أكتوبر 2011
دكتور ...

مضت السنوات الثلاث سريعا، منذ أن كنت بيضة دكتور إلى أن حصلت على الشهادة وأصبحت .. "دكتور". عندما أسمع أحدهم يناديني "دكتور... " أتلفت من حولي، هل تتحدث معي؟ أم أن هناك أحد غيري؟ من يخاطبني بهذا اللقب هل هو مقتنع حقا بأني أستحقه؟ أم هو نوع من البريستيج المتبع لخلق علاقات اجتماعية أقوى مع شخص يضفي عليه لقب "دكتور" في مجتمعنا صفة اجتماعية قد يبدو لها نفوذ أكبر من أي شيء آخر.
أرجوك اسد لي خدمة، ولا تنادني "دكتور"، فمدونتي (هذه المدونة المتواضعة التي قد يمر عليها عام دون أي تدوينة جديدة) كانت وستبقى إلى الأبد بعنوان "بيضة دكتور" أي أني قد قطعت العهد على نفسي أن أبقى في كرسي المتعلم حتى اللحد.
شكرا لكل من قرأ وكتب تعليقا في هذه المدونة خلال فترة السنوات الثلاث الأخيرة، وأتمنى زيارتكم من فترة لأخرى في المستقبل أيضا.
نحن وهم
نحن دعونا، وهم رفضوا
نحن كتبنا، وهم مَحوا
نحن بنينا، وهم دَمروا
نحن سالمنا، وهم حَاربوا
نحن أقبلنا، وهم أَدبروا
نحن صادقنا، وهم عادوا
نحن الخير، وهم الشر
نحن الحق، وهم الباطل
نحن دعاة سلام، وهم دعاة حرب
نحن ولا من أحد غير نحن
هم قَتلوا، ونحن استشهدنا
هم اعتدوا، ونحن ظُلمنا
هم سَلبوا، ونحن سُرقنا
هم زَوروا، ونحن وثقنا
هم خالفوا، ونحن التزمنا
هم صارعوا، ونحن حاورنا
هم الحرب، ونحن السلام
لهم النار، ولنا الجنة
هم من يجب أن يطيع، ونحن من يجب أن يرث الأرض
نحن ولا من أحد غير نحن
تنبيه : إن كنت من "نحن" فعلى الأرجح أنك لم تفهم ما المقصود.
الخميس، 25 مارس 2010
شو بشتغل أبوك؟
حل الصمت على قاعة الصف بعد أن جلس الطالب الجديد في مقعده. يبدو أن الكثيرين لم يكونوا يرحبون بقدومه فقد شارف عدد القابعين في تلك الحجرة على الأربعين بعد أن كانوا أقل من ذلك بخمس طلاب منذ بدء العام الدراسي. يبدو أن سمعة المدرسة تحسنت عما سبق مما جذب إليها المزيد من الطلبة، أو أن أسعار المنازل في تلك المنطقة شهد انخفاضا مؤخرا دفع بالعديد من ذوي الدخل المحدود إلى استئجار منازل فيها، أو ربما أن أعداد القادمين من القرى المجاورة أو البعيدة هو الذي زاد جالبا معه الكثير من البطالة المقنعة أو غير المقنعة ليزيد حمل أكتاف المدينة المترهلة من أناس يحتاجون المزيد من الطعام كل يوم مقابل أناس ينتجون كمية أقل منها في تلك القرى التي غادروها.
كان أكثر من لم يرحب بقدومه هما الطالبين الجالسين بجواره، لكن كان المقعد مريحا أكثر بطالبين، أما الآن فيتوجب أن يحشروا نفسهم معه في مقعد لا يتجاوز طوله المتر وأن يضعا حقيبتهما على الأرض بدل من وضعها في المكان الذي جلس هو فيه. كانت علامات الامتعاض واضحة على وجهيهما، إلا أنه ليس باليد حيلة، فللأسف كان طوله المقارب لطولهما مناسبا للجلوس في أحد مقاعد الصف الرابع من الأمام وكانت المقاعد الأخرى جميعا تحوي ثلاث طلاب.
كانت المدرسة قد أخذت وضعت أعواد غزل الصوف على الطاولة بعد أن تكلمت بشيء من العصبية مع المديرة التي طلبت منها ضم الطالب الجديد إلى صفها رافضة المزيد من الطلبة فقد طفح بها الكيل إلا أنها وافقت أخيرا على مضض. كانت قد أمضت العشرين دقيقة الماضية تغزل الصوف بجانب المدفأة الكهربائية المخصصة لها بهدوء بعد أن طلبت من التلاميذ رسم لوحة عن منجزات الحركة التصحيحية في حصة الرسم. كان الجميع يرسم بهدوء دون أن يسمع في الغرفة غير أصوات أقلام الألوان ترتطم بسطح المقعد عند تبديل واحدها بآخر أو أصوات برايات الأقلام ونفض بقايا محي الخطوط من اللوحات، كانت تلك الأصوات المتكررة تغطي على صوت صرير الأقلام، بل ربما لم يعد هناك للأقلام من صرير بعد أصبحت تصنع من البلاستيك، وبعد أن أصبحت جودة القلم لا تصمد أمام قوة الضغط عليه فينكسر قبل أن ينطق بأي لفظة صرير. كان الجميع يرسم باهتمام، فلم تكن تلك المرة الأولى التي تطلب منهم معلمة رسم لوحة عن منجزات الحركة التصحيحية. لقد كانت اللوحات محفورة في مخيلتهم بأدق التفاصيل بدءا من عدد عنفات سد الفرات، إلى الخطوط البيضاء المقطعة في وسط الطرقات المعبدة، مرورا بعدد الكبلات الكهربائية المعلقة على أعمدة الكهرباء التي نورت القرى والمدن حتى وإن لم تراها أعينهم من .
فتحت المعلمة دفترها الذي تكتب فيه ملاحظات عن الطلاب لتسجيل معلومات الطالب الجديد، صحيح أن عدد الطلاب في الصف قد زاد إلا أن وقت عيد المعلم لم يكن قد حان بعد، وهذا يعني هدية زائدة عما سبق. "لا مشكلة، المهم أن تكون تكون هدية عليها القيمة!" قالت المعلمة لنفسها وهي تسطر سطر جديد فارغ في الدفتر لتسجيل معلومات القادم الجديد. "قوم وقف!" قالت المعلمة بصوت عالي متوجهة للطالب الجديد. فرفع الجميع رأسه من اللوحات موقفا تمرير الأقلام عليها ناظرا إليه. "شو اسمك؟" سألته وهي تعيد نظرها إلى الدفتر واضعة القلم على أول السطر، "حسين"، جرت عمليات الحساب سريعا في رؤوس الطلاب، لقد كان هذا ثالث طالب اسمه حسين في الصف، سيكون من المتعب الآن التمييز بينهم فقد كان أحدهما ينادى باسمه والآخر بلقبه للتمييز بينهما، يبدو أننا يجب أن ننادى الجديد بلقبه أيضا. "وكنيتك؟" تابعت المعلمة دون أن ترفع رأسها من على الدفتر، "حسين" رد الطالب واضعا حسابات زملاءه للاسم المناسب له في حيرة كبيرة وراسما البسمة على وجوه آخرين وهم يتمتمون كلمة "حسنين، حسنين...".
تابعت المعلمة كتابة المعلومة تلو الأخرة منه عن اسم أبوه ولكن ليس اسم أمه، سنة ميلاده، وغيرها حتى وصلت إلى المعلومة التي تهمها شخصيا أكثر من أن تتعلق بأي شيء يهم العملية التعليمية، مهنة الأب. "بس ما يكون أبوه بشتغل بياع صابون كمان، لسا ما خلصو الصابونات من العام الماضي!" رفعت نظرها وحدقت فيه سائلة "شو بشتغل أبوك يا حسين؟" لم تكن المعلمة تنتهي من سؤالها حتى برقت قطرة العرق على طرف حاجبه واحمر وجهه، وفكر في نفسه "يا ربي، سمعت أنو هاي المدرسة أحسن من الماضية؟ بس الظاهر كلو متل بعضو!" ولم يكن قد انتهي من أفكاره إلا وكانت المعلمة تعيد السؤال بحدة أكثر من المرة الأولى "شو ما سمعتني؟ شو بشتغل أبوك؟" تلفت مرة أخرى من حوله محاولا تجاهل السؤال أو على الأقل محاولا تجاهلا متمنيا أن المعلمة لديها من يكفي من الذكاء لفهم تعابير وجهه الممتعض ولم يكن يذهب بعينيه بعيدا إلا أن وقعت على وجه يعرفه، بل يعرفه جيدا، لقد شاهد ذلك الوجه السنة الماضية في مدرسة ما. ولم تكن تمر اللحظة حتى علت بسمة تمتزج فيها السخرية بعلامات النصر على ذلك الوجه وهو يقف متوجها إلى المعلمة قائلا "أبوه لحسنين بشتغل في غسيل الأموات."
كان أكثر من لم يرحب بقدومه هما الطالبين الجالسين بجواره، لكن كان المقعد مريحا أكثر بطالبين، أما الآن فيتوجب أن يحشروا نفسهم معه في مقعد لا يتجاوز طوله المتر وأن يضعا حقيبتهما على الأرض بدل من وضعها في المكان الذي جلس هو فيه. كانت علامات الامتعاض واضحة على وجهيهما، إلا أنه ليس باليد حيلة، فللأسف كان طوله المقارب لطولهما مناسبا للجلوس في أحد مقاعد الصف الرابع من الأمام وكانت المقاعد الأخرى جميعا تحوي ثلاث طلاب.
كانت المدرسة قد أخذت وضعت أعواد غزل الصوف على الطاولة بعد أن تكلمت بشيء من العصبية مع المديرة التي طلبت منها ضم الطالب الجديد إلى صفها رافضة المزيد من الطلبة فقد طفح بها الكيل إلا أنها وافقت أخيرا على مضض. كانت قد أمضت العشرين دقيقة الماضية تغزل الصوف بجانب المدفأة الكهربائية المخصصة لها بهدوء بعد أن طلبت من التلاميذ رسم لوحة عن منجزات الحركة التصحيحية في حصة الرسم. كان الجميع يرسم بهدوء دون أن يسمع في الغرفة غير أصوات أقلام الألوان ترتطم بسطح المقعد عند تبديل واحدها بآخر أو أصوات برايات الأقلام ونفض بقايا محي الخطوط من اللوحات، كانت تلك الأصوات المتكررة تغطي على صوت صرير الأقلام، بل ربما لم يعد هناك للأقلام من صرير بعد أصبحت تصنع من البلاستيك، وبعد أن أصبحت جودة القلم لا تصمد أمام قوة الضغط عليه فينكسر قبل أن ينطق بأي لفظة صرير. كان الجميع يرسم باهتمام، فلم تكن تلك المرة الأولى التي تطلب منهم معلمة رسم لوحة عن منجزات الحركة التصحيحية. لقد كانت اللوحات محفورة في مخيلتهم بأدق التفاصيل بدءا من عدد عنفات سد الفرات، إلى الخطوط البيضاء المقطعة في وسط الطرقات المعبدة، مرورا بعدد الكبلات الكهربائية المعلقة على أعمدة الكهرباء التي نورت القرى والمدن حتى وإن لم تراها أعينهم من .
فتحت المعلمة دفترها الذي تكتب فيه ملاحظات عن الطلاب لتسجيل معلومات الطالب الجديد، صحيح أن عدد الطلاب في الصف قد زاد إلا أن وقت عيد المعلم لم يكن قد حان بعد، وهذا يعني هدية زائدة عما سبق. "لا مشكلة، المهم أن تكون تكون هدية عليها القيمة!" قالت المعلمة لنفسها وهي تسطر سطر جديد فارغ في الدفتر لتسجيل معلومات القادم الجديد. "قوم وقف!" قالت المعلمة بصوت عالي متوجهة للطالب الجديد. فرفع الجميع رأسه من اللوحات موقفا تمرير الأقلام عليها ناظرا إليه. "شو اسمك؟" سألته وهي تعيد نظرها إلى الدفتر واضعة القلم على أول السطر، "حسين"، جرت عمليات الحساب سريعا في رؤوس الطلاب، لقد كان هذا ثالث طالب اسمه حسين في الصف، سيكون من المتعب الآن التمييز بينهم فقد كان أحدهما ينادى باسمه والآخر بلقبه للتمييز بينهما، يبدو أننا يجب أن ننادى الجديد بلقبه أيضا. "وكنيتك؟" تابعت المعلمة دون أن ترفع رأسها من على الدفتر، "حسين" رد الطالب واضعا حسابات زملاءه للاسم المناسب له في حيرة كبيرة وراسما البسمة على وجوه آخرين وهم يتمتمون كلمة "حسنين، حسنين...".
تابعت المعلمة كتابة المعلومة تلو الأخرة منه عن اسم أبوه ولكن ليس اسم أمه، سنة ميلاده، وغيرها حتى وصلت إلى المعلومة التي تهمها شخصيا أكثر من أن تتعلق بأي شيء يهم العملية التعليمية، مهنة الأب. "بس ما يكون أبوه بشتغل بياع صابون كمان، لسا ما خلصو الصابونات من العام الماضي!" رفعت نظرها وحدقت فيه سائلة "شو بشتغل أبوك يا حسين؟" لم تكن المعلمة تنتهي من سؤالها حتى برقت قطرة العرق على طرف حاجبه واحمر وجهه، وفكر في نفسه "يا ربي، سمعت أنو هاي المدرسة أحسن من الماضية؟ بس الظاهر كلو متل بعضو!" ولم يكن قد انتهي من أفكاره إلا وكانت المعلمة تعيد السؤال بحدة أكثر من المرة الأولى "شو ما سمعتني؟ شو بشتغل أبوك؟" تلفت مرة أخرى من حوله محاولا تجاهل السؤال أو على الأقل محاولا تجاهلا متمنيا أن المعلمة لديها من يكفي من الذكاء لفهم تعابير وجهه الممتعض ولم يكن يذهب بعينيه بعيدا إلا أن وقعت على وجه يعرفه، بل يعرفه جيدا، لقد شاهد ذلك الوجه السنة الماضية في مدرسة ما. ولم تكن تمر اللحظة حتى علت بسمة تمتزج فيها السخرية بعلامات النصر على ذلك الوجه وهو يقف متوجها إلى المعلمة قائلا "أبوه لحسنين بشتغل في غسيل الأموات."
الأربعاء، 24 فبراير 2010
سكرات موت خلية
مضت الأشهر الثلاثة بسرعة منذ أن ولدت . لحظة ولادتها لم تكن تعلم أين أو ما هي أو إلى أين تتوجه أو ما يجب أن تعمله. كل ما تذكره هو أنها كانت محاطة بآلاف من مثيلاتها يتحركون من حولها دون كل أو ملل ودون أن تعرف ما الذي يفعلونه. بعضهن يكبرها حجما والبعض الآخر يختلف عنها لونا، إحداها قد خدش غلافها وأخرى عليها لطخة سوداء إلا أنهن كن يتلقين السكر ذاته، والأكسجين ذاته والأملاح ذاته، بعضهن يقربن من وعاء دموي فيأخذن حصة من الغذاء أكثر من غيرهن إلا أن ضغط تيار الدم الذي يتعرضن له كل عدة ثوان كفيل بإسقاطهن قتلى قبل شهر على الأقل من عمرهن المتوقع.
تذكرت أنها وقفت بعد ولادتها لعدة ساعات تفرك عينيها وتنظر حولها متأملة ذلك العدد الهائل من نظيراتها قبل أن تنظر إلى الأعلى لترى خلية تشبهها إلى حد بعيد حجما ولونا وشكلا إلا أنه قد بدى عليها الهرم، ضحكت لها قائلة "لقد تعبت كثيرا من عملية الانقسام لكني سعيدة لكونك هنا بجانبي، هاك بعض السكر الأحادي" وتناولت جزيئا من الغلوكوز ووضعته على غلافها الخلوي. لا زالت تذكر حلاوة السكر وهو يتسرب داخلا إلى أعماقها منحلا في سوائل جسدها. تبعت الفيتامينات والأكسجين والأملاح الغلوكوز، كان لكل منها طعما مميزا، ومع أنها كانت تفضل الغلوكوز بشكل أكثر من غيره إلا أنه لم يسمح لها بأخذ أكثر من حصتها.
لا زالت تذكر عندما شعرت بعد عدة أيام بشيء يتحرك داخلها، شيء جديد يتشكل أو يكبر أو يغير شكله، لم تكن تعلم أنه أدينوسين ثلاثي الفوسفات الذي يخزن طاقتها. لقد بدأ جسمها بالنمو وأصبح أكثر قوة من قبل وبدأت بالحركة تمددا وتقلصا مزعجة جيرانها بقفزاتها الطفولية. تذكرت كلمات نصفها الآخر الهرم "لقد أصبحت جاهزة للعمل!" وبدأت تعلمها كيف تحرك جسدها صعودا وهبوطا مثل الجميع بالتوقيت ذاته وبتناغم. تعثرت في البداية إلا أن ضغط جيرانها عليها شدا ودفعا بدأ يدفع بها شيئا فشيئا لتناغم تحركاتها مع الآخرين. كانت خلية فتية مليئة بالنشاط والطاقة، تتحرك برشاقة وحيوية ناشرة الأمل في جيرانها بقوة دفع جديدة للمجموعة.
لا زالت تذكر عندما رأت أول خلية دم حمراء تجري مسرعة في الوعاء الدموي حاملة معها كرات الأكسجين النقية، لقد كانت مختلفة تماما عنها. إلى تلك اللحظة كانت تعتقد أن جميع من حولها يشبونها مع وجود الاختلاف بينهم، إلا أنها لم تتكن تتصور لوهلة أن هناك من يتحرك بكل تلك السرعة. لقد كانت السرعة التي تتحرك بها خلية الدم الحمراء تعادل ملايين أضعاف السرعة التي قد تتحرك هي بها هذا إن تمكنت من التزحزح من مكانها أصلا. ذلك المكان الضيق بين نظيراتها الذي لا يكفي لأكثر من حركات التمدد والتقلص التي تكررها ليل نهار بتناغم مع الجميع. تأثرت بكل خلايا الحمراء تلك التي هناك، إنها ليست بعيدة مني إلا أن عملها يختلف كثيرا يبدو أن ما تفعله مسليا أتمنى أن أتمكن من الحركة بسرعتها.
لا زالت تذكر كيف بقيت عدة أيام تراقب خلايا الدم الحمراء وتتعلم كيف تتحرك إلا أنها لم تتمكن من التزحزح من مكانها أو أن تمنع نفسها من التقلص والتمدد كما يفعل زملائها. إلا أن اليوم قد حان لتقرير المصير، وفي لحظة صمت شدت نفسها بقوة بقوة أكبر من أي تمدد قامت به سابقا محاولة انتزاع نفسها من بين أقرانها، فشلت المحاولة الأولى إلا أنها حاولت من جديد التخلص من ارتباطها مع الآخرين لتنطلق في مجرى الدم كما تفعل خلايا الدم الحمراء وما كادت أن تنجح في ذلك إلا وكان من حولها يمسك بها دافعا من جديد إلى النسيج المتجانس، وسمعت أصواتا قائلة "بحق الآلهة، ما الذي تفعلينه؟ هل فقدت صوابك؟" "أنت لست كرة دم حمراء، أنت لديك نواة في داخلك، أنت خلية عضلية" "هل تريدين التخلي عنا والرحيل؟" "أنت مخصصة للتقلص والتمدد ولن تقدري على حمل الأكسجين والركض به طول الوقت" وتعالت الهمسات بين زملائها، تلك الهمسات التي كان ثقلها أكبر من قوة الشد التي دفعت بها إلى النسيج العضلي من جديد.
لا زالت تذكر عند أول انقسام لها، لقد كانت أحضرت خلية فتية جديدة أحبتها كثيرا، إلا أنها كانت لم تزل تحتفظ بحلمها الذي لن تستطيع تحقيقه، لكنها فكرت في أن تلك الخلية الفتية قد تستطيع فعل ذلك. وعندما بدأت الخلية الفتية بالحركة تذكرت كيف سارعت للأخذ بها وإطلاعها على مجرى الدم قائلة لها "إن هناك 100 ترليون خلية غيرك في هذا العالم، كل منها له عمل وحلم غير الأخرى، البعض متشابه ويعمل الشيء ذاته، وآخرون يعملون أشياء مختلفة" تنهدت وتابعت قائلة "لقد ولدت وعندي 23 زوج من الصبغيات هي ذات التي عندك، إلا أن من حولي لم يعلمني إلا ما يعلم، أكرر ذات الشيء ليل نهار دون أن أعلم لماذا يجب علي أن أفعل ذلك. أما أنت فما زلت فتية، صحيح أن لديك ذات عدد صبغياتي وتشبهيني ولكن تذكري أن هناك غيرك هنا وتستطيعين أن تفعلي ما تريدين وليس ما يريد الآخرون" لم تفهم الخلية الفتية ما قيل لها ذلك الوقت، إلا أنها بقيت تراقب خلايا الدم الحمراء وهي تتعلم كيفية التمدد والتقلص كزملائها. إلا أنها في ذات ليل وبعيدا عن الأنظار ألقت بنفسها في مجرى الدم دون عودة، وأصبحت منذ ذلك الحين حديثا لخلايا النسيج العضلي "ياللهول! أحدنا لم يعد خلية عضلية، لقد أصبحت خلية دم!".
لقد قاربت اللحظات الأخيرة على القدوم وهي تعيد كل تلك الذكريات مرة أخرى. لقد مر الوقت بسرعة، والحلم لم يتحقق! أمضت عمرها تتحرك بتناغم مع الآخرين، دون أن تعلم إلى تلك اللحظة لماذا يجب عليها فعل ذات الشيء كل يوم فقط لأن الآخرون يفعلونه. وكانت البروتينات داخلها قد بدأت بالتحلل إلى حموض أمينية عندما اقتربت منها خلية دم حمراء حاملة لها كرة من الأكسجين، لم تعد قادرة على الكلام في ذلك الوقت إلا أن نظرها المتلاشي مع تلاشي الحياة في أرجاء جسدها كان كافيا لتمييز أن خلية الدم تلك لم تكن كباقي الخلايا الأخريات، لقد كان لها نواة تشبه نواتها.
تذكرت أنها وقفت بعد ولادتها لعدة ساعات تفرك عينيها وتنظر حولها متأملة ذلك العدد الهائل من نظيراتها قبل أن تنظر إلى الأعلى لترى خلية تشبهها إلى حد بعيد حجما ولونا وشكلا إلا أنه قد بدى عليها الهرم، ضحكت لها قائلة "لقد تعبت كثيرا من عملية الانقسام لكني سعيدة لكونك هنا بجانبي، هاك بعض السكر الأحادي" وتناولت جزيئا من الغلوكوز ووضعته على غلافها الخلوي. لا زالت تذكر حلاوة السكر وهو يتسرب داخلا إلى أعماقها منحلا في سوائل جسدها. تبعت الفيتامينات والأكسجين والأملاح الغلوكوز، كان لكل منها طعما مميزا، ومع أنها كانت تفضل الغلوكوز بشكل أكثر من غيره إلا أنه لم يسمح لها بأخذ أكثر من حصتها.
لا زالت تذكر عندما شعرت بعد عدة أيام بشيء يتحرك داخلها، شيء جديد يتشكل أو يكبر أو يغير شكله، لم تكن تعلم أنه أدينوسين ثلاثي الفوسفات الذي يخزن طاقتها. لقد بدأ جسمها بالنمو وأصبح أكثر قوة من قبل وبدأت بالحركة تمددا وتقلصا مزعجة جيرانها بقفزاتها الطفولية. تذكرت كلمات نصفها الآخر الهرم "لقد أصبحت جاهزة للعمل!" وبدأت تعلمها كيف تحرك جسدها صعودا وهبوطا مثل الجميع بالتوقيت ذاته وبتناغم. تعثرت في البداية إلا أن ضغط جيرانها عليها شدا ودفعا بدأ يدفع بها شيئا فشيئا لتناغم تحركاتها مع الآخرين. كانت خلية فتية مليئة بالنشاط والطاقة، تتحرك برشاقة وحيوية ناشرة الأمل في جيرانها بقوة دفع جديدة للمجموعة.
لا زالت تذكر عندما رأت أول خلية دم حمراء تجري مسرعة في الوعاء الدموي حاملة معها كرات الأكسجين النقية، لقد كانت مختلفة تماما عنها. إلى تلك اللحظة كانت تعتقد أن جميع من حولها يشبونها مع وجود الاختلاف بينهم، إلا أنها لم تتكن تتصور لوهلة أن هناك من يتحرك بكل تلك السرعة. لقد كانت السرعة التي تتحرك بها خلية الدم الحمراء تعادل ملايين أضعاف السرعة التي قد تتحرك هي بها هذا إن تمكنت من التزحزح من مكانها أصلا. ذلك المكان الضيق بين نظيراتها الذي لا يكفي لأكثر من حركات التمدد والتقلص التي تكررها ليل نهار بتناغم مع الجميع. تأثرت بكل خلايا الحمراء تلك التي هناك، إنها ليست بعيدة مني إلا أن عملها يختلف كثيرا يبدو أن ما تفعله مسليا أتمنى أن أتمكن من الحركة بسرعتها.
لا زالت تذكر كيف بقيت عدة أيام تراقب خلايا الدم الحمراء وتتعلم كيف تتحرك إلا أنها لم تتمكن من التزحزح من مكانها أو أن تمنع نفسها من التقلص والتمدد كما يفعل زملائها. إلا أن اليوم قد حان لتقرير المصير، وفي لحظة صمت شدت نفسها بقوة بقوة أكبر من أي تمدد قامت به سابقا محاولة انتزاع نفسها من بين أقرانها، فشلت المحاولة الأولى إلا أنها حاولت من جديد التخلص من ارتباطها مع الآخرين لتنطلق في مجرى الدم كما تفعل خلايا الدم الحمراء وما كادت أن تنجح في ذلك إلا وكان من حولها يمسك بها دافعا من جديد إلى النسيج المتجانس، وسمعت أصواتا قائلة "بحق الآلهة، ما الذي تفعلينه؟ هل فقدت صوابك؟" "أنت لست كرة دم حمراء، أنت لديك نواة في داخلك، أنت خلية عضلية" "هل تريدين التخلي عنا والرحيل؟" "أنت مخصصة للتقلص والتمدد ولن تقدري على حمل الأكسجين والركض به طول الوقت" وتعالت الهمسات بين زملائها، تلك الهمسات التي كان ثقلها أكبر من قوة الشد التي دفعت بها إلى النسيج العضلي من جديد.
لا زالت تذكر عند أول انقسام لها، لقد كانت أحضرت خلية فتية جديدة أحبتها كثيرا، إلا أنها كانت لم تزل تحتفظ بحلمها الذي لن تستطيع تحقيقه، لكنها فكرت في أن تلك الخلية الفتية قد تستطيع فعل ذلك. وعندما بدأت الخلية الفتية بالحركة تذكرت كيف سارعت للأخذ بها وإطلاعها على مجرى الدم قائلة لها "إن هناك 100 ترليون خلية غيرك في هذا العالم، كل منها له عمل وحلم غير الأخرى، البعض متشابه ويعمل الشيء ذاته، وآخرون يعملون أشياء مختلفة" تنهدت وتابعت قائلة "لقد ولدت وعندي 23 زوج من الصبغيات هي ذات التي عندك، إلا أن من حولي لم يعلمني إلا ما يعلم، أكرر ذات الشيء ليل نهار دون أن أعلم لماذا يجب علي أن أفعل ذلك. أما أنت فما زلت فتية، صحيح أن لديك ذات عدد صبغياتي وتشبهيني ولكن تذكري أن هناك غيرك هنا وتستطيعين أن تفعلي ما تريدين وليس ما يريد الآخرون" لم تفهم الخلية الفتية ما قيل لها ذلك الوقت، إلا أنها بقيت تراقب خلايا الدم الحمراء وهي تتعلم كيفية التمدد والتقلص كزملائها. إلا أنها في ذات ليل وبعيدا عن الأنظار ألقت بنفسها في مجرى الدم دون عودة، وأصبحت منذ ذلك الحين حديثا لخلايا النسيج العضلي "ياللهول! أحدنا لم يعد خلية عضلية، لقد أصبحت خلية دم!".
لقد قاربت اللحظات الأخيرة على القدوم وهي تعيد كل تلك الذكريات مرة أخرى. لقد مر الوقت بسرعة، والحلم لم يتحقق! أمضت عمرها تتحرك بتناغم مع الآخرين، دون أن تعلم إلى تلك اللحظة لماذا يجب عليها فعل ذات الشيء كل يوم فقط لأن الآخرون يفعلونه. وكانت البروتينات داخلها قد بدأت بالتحلل إلى حموض أمينية عندما اقتربت منها خلية دم حمراء حاملة لها كرة من الأكسجين، لم تعد قادرة على الكلام في ذلك الوقت إلا أن نظرها المتلاشي مع تلاشي الحياة في أرجاء جسدها كان كافيا لتمييز أن خلية الدم تلك لم تكن كباقي الخلايا الأخريات، لقد كان لها نواة تشبه نواتها.
الأربعاء، 27 يناير 2010
آذان ومآذن
ربما يكون الموضوع متأخرا، لكنه جاء في الوقت الذي آنت فيه لقطرات الندى أن تتجمع لتصبح قطرة لتسقط مطلقة صوت ارتطامها بالأرض، قد لا يكون بالصوت العالي لكنه يكفي لإلهام البعض ذوي الآذان المرهفة لكتابة بيت من الشعر .
ذات الآذان المرهفة التي تكتب أبيات الشعر على صوت قطرات الندى، ستكون من كل بد صاغية لأصوات نواقيس المعابد وأجراس الكنائس ومآذن المساجد التي تصدح كل يوم في كل مدن الدنيا. إلا أن ذات الموجات الصوتية التي تولد قطرات الندى وتلك التي تولد أصوات الدعوة للآلهة لن يكون لها المعنى ذاته لآذان الشاعر المرهفة. فأذنه المرهفة اعتادت سماع الأصوات التي لا تريد أن لها أن تسمع، فقطرة الندى لا تصدر الصوت لأنها تريد أن تسمع الجميع، بل ذلك الصوت قد يكون هو أسوأ ما تتوقعه كنهاية لمرحلة من حياتها عند انتقالها من نقاوة السماء إلى خبايا الأرض لتسري عائدة في عروق الشجرة التي كانت على أوراقها قبل برهة أو لتغوص عميقا إلى حيث لا يدري بها أحد، يا ترى هل ستعود كقطرة ندى مرة أخرى؟ أم أنها ستصبح قطعة ثلج تروي عطش الداعي للإله في حر الصيف مع أنه لم يتكبد عناء تسلق برجه الذي يعلو عشرات الأمتار كما فعل أجداده قبل أن يعبث فرانكلين بطائرته الورقية ويحضر إلينا كهرباء رعد السماء ليدير مسجل الصوت للمرة الثالثة منذ الصباح لإصابته بالزكام في ذلك اليوم.
فرانكلين هو ذاته من اخترع واقية الصواعق التي تقي داعي الإله من الموت متفحما تحت ظلال برجه إن كان مزاج السماء معكرا وقررت أن تفرغ ما خزنته من طاقة الرعد فوق مبنى معماري من الأسمنت المسلح هو من أعلى النقاط في المدينة. لم يكن فرانكلين ليحتاج لاستخدام مانعة صواعقه لو كانت كل المباني تصنع من الخشب والحجارة كما كانت قبل زمن مكبرات الصوت والأسمنت المسلح، الذي تكبد فيه أجداد صاحبنا الداعي تسلق عشرات الدرجات لإرغام شاعرنا المسكين على سماع أصواتهم والتغطية على صوت فناء قطرة الندى، إلا أن فرانكلين هو من يجب أن يلام على تعكر مزاج شاعرنا، فهو من اخترع ما يوصل الأصوات إلى آذانه، وهو من حمى تلك الأبراج لتزداد علوا لتذكر شاعرنا بأن أصوات قطرات الندى لن تسمع عندما يود سماعها بل فقط عندما يصمت الآخرون أو يصابون بالزكام عندما تكون الكهرباء مقطوعة.
ذات الآذان المرهفة التي تكتب أبيات الشعر على صوت قطرات الندى، ستكون من كل بد صاغية لأصوات نواقيس المعابد وأجراس الكنائس ومآذن المساجد التي تصدح كل يوم في كل مدن الدنيا. إلا أن ذات الموجات الصوتية التي تولد قطرات الندى وتلك التي تولد أصوات الدعوة للآلهة لن يكون لها المعنى ذاته لآذان الشاعر المرهفة. فأذنه المرهفة اعتادت سماع الأصوات التي لا تريد أن لها أن تسمع، فقطرة الندى لا تصدر الصوت لأنها تريد أن تسمع الجميع، بل ذلك الصوت قد يكون هو أسوأ ما تتوقعه كنهاية لمرحلة من حياتها عند انتقالها من نقاوة السماء إلى خبايا الأرض لتسري عائدة في عروق الشجرة التي كانت على أوراقها قبل برهة أو لتغوص عميقا إلى حيث لا يدري بها أحد، يا ترى هل ستعود كقطرة ندى مرة أخرى؟ أم أنها ستصبح قطعة ثلج تروي عطش الداعي للإله في حر الصيف مع أنه لم يتكبد عناء تسلق برجه الذي يعلو عشرات الأمتار كما فعل أجداده قبل أن يعبث فرانكلين بطائرته الورقية ويحضر إلينا كهرباء رعد السماء ليدير مسجل الصوت للمرة الثالثة منذ الصباح لإصابته بالزكام في ذلك اليوم.
فرانكلين هو ذاته من اخترع واقية الصواعق التي تقي داعي الإله من الموت متفحما تحت ظلال برجه إن كان مزاج السماء معكرا وقررت أن تفرغ ما خزنته من طاقة الرعد فوق مبنى معماري من الأسمنت المسلح هو من أعلى النقاط في المدينة. لم يكن فرانكلين ليحتاج لاستخدام مانعة صواعقه لو كانت كل المباني تصنع من الخشب والحجارة كما كانت قبل زمن مكبرات الصوت والأسمنت المسلح، الذي تكبد فيه أجداد صاحبنا الداعي تسلق عشرات الدرجات لإرغام شاعرنا المسكين على سماع أصواتهم والتغطية على صوت فناء قطرة الندى، إلا أن فرانكلين هو من يجب أن يلام على تعكر مزاج شاعرنا، فهو من اخترع ما يوصل الأصوات إلى آذانه، وهو من حمى تلك الأبراج لتزداد علوا لتذكر شاعرنا بأن أصوات قطرات الندى لن تسمع عندما يود سماعها بل فقط عندما يصمت الآخرون أو يصابون بالزكام عندما تكون الكهرباء مقطوعة.
الخميس، 24 سبتمبر 2009
مزج العوالم
مزج العوالم أو خلط العوالم هو مصطلح سمعته للمرة الأولى على لسان جورج كوستانزا من مسلسل ساينفيلد الأمريكي. كان جورج يتحدث عن خطورة الخلط بين أمور العمل والحياة الشخصية، وعلى وجه الخصوص ضرورة الفصل بين الأشخاص في كل من الحياة المهنية والحياة الشخصية، فمثلاً أن لا يكون الزوجان يعملان في مكان واحد، أو أن يكون زملاء العمل هم نفسهم أصدقاء في النادي، أو رفقاء السفر، وعليه يجب عدم خلط العوالم المحيطة بالفرد مع بعضها البعض.
قد يكون السبب واضحا للبعض وقد يتساءل البعض الآخر لماذا لا يجب خلط العوالم أو الأشخاص التي تتبع تلك العوالم مع بعضها البعض؟ السبب ببساطة من وجه نظر السيد كوستانزا والذي أؤيده من وجهة نظري الشخصية هو حصول الفرد على المزيد من الحرية الشخصية. لنفرض مثلا أن زوجين يعملان في مكان واحد، مهما كان الزوجان يحبان بعضهما البعض فإن مجرد لقائهما لمدة 24 ساعة في اليوم و 7 أيام في الأسبوع كفيل بإخماد شعلة الحب المتوقدة من ناحية، ومن خلط مشاكل البيت في العمل ومن حمل مشاكل العمل إلى البيت، والأسوأ هو وجود احتمال كبير لنشر أسرار البيت الخاصة في العمل مما يلغي أي قدر لخصوصية بيت الزوجية. ذات الأمر ينطبق على فصل زملاء العمل عن الصداقات الخاصة، فقد يكون هناك بعض الإشاعات أو الأقاويل أو النكات عن الشخص لا يريدها أن تخرج من نطاق مكان العمل لتلحق به في النادي، أو المنزل بل يريد أن تنتهي كل مآسي ومتاعب العمل بخروجه من باب مكان العمل ليرتاح في منزله أو عند ممارسة نشاطاته بين الأصدقاء بمبعد عنها.
تطبيق عملية فصل العوالم هو أمر بغاية البساطة، ويكون بمجرد فصل الأشخاص في مكان العمل عن الحياة الخاصة والعكس بالعكس، كما فصل الأشخاص في الحياة الخاصة سواء الأصدقاء عن العائلة أو أصدقاء العائلة عن الأصدقاء الشخصيين وهكذا سيكون لدى الشخص متنفس يعود إليه على الدوام عند مروره بوقت عصيب في أحد تلك العوالم فيهرب منها إلى عالم آخر منفصل عنه تماما.
هل جربت فكرة فصل العوالم من قبل أو هل أعجبتك لتجربها من الآن فلاحقا؟
قد يكون السبب واضحا للبعض وقد يتساءل البعض الآخر لماذا لا يجب خلط العوالم أو الأشخاص التي تتبع تلك العوالم مع بعضها البعض؟ السبب ببساطة من وجه نظر السيد كوستانزا والذي أؤيده من وجهة نظري الشخصية هو حصول الفرد على المزيد من الحرية الشخصية. لنفرض مثلا أن زوجين يعملان في مكان واحد، مهما كان الزوجان يحبان بعضهما البعض فإن مجرد لقائهما لمدة 24 ساعة في اليوم و 7 أيام في الأسبوع كفيل بإخماد شعلة الحب المتوقدة من ناحية، ومن خلط مشاكل البيت في العمل ومن حمل مشاكل العمل إلى البيت، والأسوأ هو وجود احتمال كبير لنشر أسرار البيت الخاصة في العمل مما يلغي أي قدر لخصوصية بيت الزوجية. ذات الأمر ينطبق على فصل زملاء العمل عن الصداقات الخاصة، فقد يكون هناك بعض الإشاعات أو الأقاويل أو النكات عن الشخص لا يريدها أن تخرج من نطاق مكان العمل لتلحق به في النادي، أو المنزل بل يريد أن تنتهي كل مآسي ومتاعب العمل بخروجه من باب مكان العمل ليرتاح في منزله أو عند ممارسة نشاطاته بين الأصدقاء بمبعد عنها.
تطبيق عملية فصل العوالم هو أمر بغاية البساطة، ويكون بمجرد فصل الأشخاص في مكان العمل عن الحياة الخاصة والعكس بالعكس، كما فصل الأشخاص في الحياة الخاصة سواء الأصدقاء عن العائلة أو أصدقاء العائلة عن الأصدقاء الشخصيين وهكذا سيكون لدى الشخص متنفس يعود إليه على الدوام عند مروره بوقت عصيب في أحد تلك العوالم فيهرب منها إلى عالم آخر منفصل عنه تماما.
هل جربت فكرة فصل العوالم من قبل أو هل أعجبتك لتجربها من الآن فلاحقا؟
الأحد، 30 أغسطس 2009
تعددية الأحزاب، ترف أم حاجة؟
في العديد من الدول النامية أو الدول ذات نظام الحكم الديكتاتوري تطلق الكثير من الشعارات حول ضرورة الحزب الواحد أو الوحدة الوطنية تحت ظل وفاق وطني وذلك لمنع تمزق البيت السياسي الداخلي من أجل مصلحة الشعب وهدوء باله، ولكن السؤال المطروح هو هل أن الوفاق السياسي الداخلي هي في مصلحة الدولة أم ضدها؟
قد يكون مفهوم الأحزاب بالعصر الحالي يطلق بشكل كبير على الأحزاب السياسية التي تشارك في العمل السياسي والتي تسعى لترويج خطة حكم معين للوصول للسلطة في دولة ما، ولكن كلمة "حزب" بشكل عام تشير إلى أي تجمع لعدة أشخاص تجمعهم فكرة معينة فالكثير قد سمع باسم "غزوة الأحزاب".
في الحالة العامة يكون تعدد الأحزاب السياسية في مصلحة سكان البلد (طبعا باستثناء نزاعات الأحزاب السياسية المسلحة والتي في تلك الحالة تنتفي عنها صفة الحزب السياسي إلى صفة الجماعة المسلحة) وذلك لوجود من يمثل آراء جميع طبقات الشعب من موافق ومعارض وأكثرية وأقلية ورجل ومرأة ومن جميع الأديان وبالتالي من وجهة نظر الشعب لا يشعر أي من الأفراد بعدم وجود من يمثله في سلطة الحكم، أو على الأقل عدم وجود من يستطيع أن يوصل رأيه وصوته إليه في سدة السلطة، من جهة أخرى فإنه يمنع تسلط فكرة أو مجموعة أفكار وبالتالي مجموعة الأشخاص القائمة على حراسة هذه الأفكار على السلطة في ذلك البلد وبالتالي استقصاء كل من يخالف أو من لا يعتقد بتلك الأفكار على الرغم من أنهم مواطنين لذلك البلد وهم من يدفع الضرائب التي تزود الفئة الحاكمة بقوت يومها.
من أشهر الأمثلة التي قد يعلمها الجميع على الأحزاب السياسية التي تحولت إلى أنظمة حكم ديكتاتوري أو "أنظمة الوفاق الوطني" كما كان ينظر إليها من الداخل هو النظام النازي في ألمانيا الممثل بالحزب النازي، الفاشية في إيطاليا، يوكسانكاي في اليابان وهذه الثلاثة كانت الأنظمة السائدة في الدول التي كانت من أبرز مثيري المشاكل في العالم في النصف الأول القرن العشرين، وعلى الرغم من وجود معتقدين بالأفكار الثلاثة السابقة في عصرنا اليوم إلا أنهم لا يشكلون ذات الخطر الذي سببته تلك الأنظمة في وقتها فقط لسبب وحيد وهي أن تلك الأنظمة حكمت في ذلك الوقت دون أن تشكل أطياف الدولة بكاملها.
ربما تدوينتي هذه تقليدية بعض الشيء وموضوعها قد يعيه أي مثقف، إلا أن مراجعة البديهيات من وقت لآخر أمر مهم حتى لا ننسى، ولكي لا ينسى أبناؤنا من بعدنا.
قد يكون مفهوم الأحزاب بالعصر الحالي يطلق بشكل كبير على الأحزاب السياسية التي تشارك في العمل السياسي والتي تسعى لترويج خطة حكم معين للوصول للسلطة في دولة ما، ولكن كلمة "حزب" بشكل عام تشير إلى أي تجمع لعدة أشخاص تجمعهم فكرة معينة فالكثير قد سمع باسم "غزوة الأحزاب".
في الحالة العامة يكون تعدد الأحزاب السياسية في مصلحة سكان البلد (طبعا باستثناء نزاعات الأحزاب السياسية المسلحة والتي في تلك الحالة تنتفي عنها صفة الحزب السياسي إلى صفة الجماعة المسلحة) وذلك لوجود من يمثل آراء جميع طبقات الشعب من موافق ومعارض وأكثرية وأقلية ورجل ومرأة ومن جميع الأديان وبالتالي من وجهة نظر الشعب لا يشعر أي من الأفراد بعدم وجود من يمثله في سلطة الحكم، أو على الأقل عدم وجود من يستطيع أن يوصل رأيه وصوته إليه في سدة السلطة، من جهة أخرى فإنه يمنع تسلط فكرة أو مجموعة أفكار وبالتالي مجموعة الأشخاص القائمة على حراسة هذه الأفكار على السلطة في ذلك البلد وبالتالي استقصاء كل من يخالف أو من لا يعتقد بتلك الأفكار على الرغم من أنهم مواطنين لذلك البلد وهم من يدفع الضرائب التي تزود الفئة الحاكمة بقوت يومها.
من أشهر الأمثلة التي قد يعلمها الجميع على الأحزاب السياسية التي تحولت إلى أنظمة حكم ديكتاتوري أو "أنظمة الوفاق الوطني" كما كان ينظر إليها من الداخل هو النظام النازي في ألمانيا الممثل بالحزب النازي، الفاشية في إيطاليا، يوكسانكاي في اليابان وهذه الثلاثة كانت الأنظمة السائدة في الدول التي كانت من أبرز مثيري المشاكل في العالم في النصف الأول القرن العشرين، وعلى الرغم من وجود معتقدين بالأفكار الثلاثة السابقة في عصرنا اليوم إلا أنهم لا يشكلون ذات الخطر الذي سببته تلك الأنظمة في وقتها فقط لسبب وحيد وهي أن تلك الأنظمة حكمت في ذلك الوقت دون أن تشكل أطياف الدولة بكاملها.
ربما تدوينتي هذه تقليدية بعض الشيء وموضوعها قد يعيه أي مثقف، إلا أن مراجعة البديهيات من وقت لآخر أمر مهم حتى لا ننسى، ولكي لا ينسى أبناؤنا من بعدنا.
الخميس، 27 أغسطس 2009
المفاضلة العامة، تلك الكذبة الكبيرة
كتبت تدوينتي السابقة ولم يكن في حسباني شيء إلا تسليط الضوء على رأيي في وجود نوع من الطبقية الاجتماعية في طيات نظام التعليم الموازي الذي كما أسلفت لم أعاصره وقد تبقى وجهة نظري قاصرة عن بعض جوانبه سواء تلك السلبية أم الإيجابية.
إلا أن تعليقات القراء مشكورين سلطت الأضواء على جوانب غفلت عن ذهني أثناء كتابة الموضوع، وأكثر ما شدني هو عبارة "ماهي خيارات الطالب ميسور الحال، قبل التعليم الموازي؟" من uramium وعبارة "لم أفهم لم عليه ان لا يذهب للتعليم الموازي؟" من أمنية.
قد يتقبل المجتمع السوري اليوم نظام التعليم الموازي على أنه حل للطالب من أبناء الطبقة الميسورة وذلك عوضا عن سفره للدراسة في الخارج وبالتالي وجود احتمال كبير لخسارته من البلد أو تعرضه للمتاعب في الغربة أثناء دراسته؟ أتساءل هل هذا حقا هو السبب الحقيقي وراء نظام التعليم الموازي، "توطين الطلبة؟" بمراجعة صفحة إحصاءات المغتربين في موقع وزارة المغتربين نجد أن عدد المغتربين السوريين حاليا هو 981000 مغترب، أي ما يشكل حوالي 5 % من عدد السكان وهي نسبة أكبر بكثير من عدد جميع من يتقدم لامتحانات الثانوية العامة لعدة أعوام مجتمعة، ثم هل يهمنا حقاً بقاء الشباب في سورية؟ إذا ما الذي يفسر وجود أكبر نسبة من المغتربين من الطبقة العمرية في العشرينات والثلاثينات من العمر؟ طبعا كلنا يعلم السبب.
على العموم موضوع الاغتراب خارج عن نطاق هذه التدوينة. السؤال المطروح هو "هل نحن بحاجة للتعليم الموازي؟" البعض والكثير منهم من الطلبة قد يجاوب "نعم" وهي وجهة نظر أحترمها، لكن أتساءل "لماذا؟" سيكون الجواب بطبيعة الحال "لأحصل على مقعد في كلية أفضل؟" وهنا يبدأ موضوعي الجديد، "ما الذي يحدد الكلية الأفضل من الكلية الأسوأ؟"
ما يحدد "الكلية الأفضل" و "الكلية الأسوأ" في وجهة نظر المجتمع السوري هو ترتيب الكليات حسب مجموع المرحلة الثانوية في ورقة "المفاضلة العامة". كما تعلمون منذ عقود تتربع الكليات الذهبية وهي كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة على عرش تلك القائمة يليها كلية الهندسة المعلوماتية وهذه الكليات الأربع يعدها الكثير الهدف الأسمى لأي طالب في المرحلة الثانوية، تمتد القائمة لتأتي الكليات الفضية والتي تتضمن الهندسات بفروعها بدءا بالهندسة المدنية ونزولا حتى الهندسة الزراعية، تليها كليات المرتبة الثالثة التي تتضمن الحقوق والآداب والاقتصاد و .. و .. و تطول القائمة لتبدأ المعاهد المتوسطة ... حتى آخر القائمة.
لن أخدع نفسي أو أخدع الآخرين بالقول أني كنت خارج إطار المجتمع السوري عند اختيار الفرع الذي أمضيت فيه فترة دراستي الجامعية الأولى، وأني سجلت رغباتي في المفاضلة وفقا للترتيب في الأعلى، لكن والآن وبعد تمرس في المجتمع ورؤية الأنظمة التعليمية في الدول الأخرى بدأ يتضح لي سوء نظام المفاضلة العامة ذلك.
في الاعتقاد العام السائد في المجتمع السوري أن ذلك الترتيب هو ترتيب يتعلق بالمدخول المادي للخريج واحتمال تأمين فرصة عمل مستقبلية بعد التخرج، لذلك تكون المهن الصحية والتقنية في أعلى القائمة بينما تكون المهن الخدمية في منتصفها وأسفلها. طبعا هذا الاعتقاد قد يكون صحيحا في الجزء الأكبر منه خاصة إن أخذنا في عين الاعتبار الوضع العام السائد في سورية، إلا أنه ليس بالمطلق.
شخصيا أعتبر أن المبدع في أي مجال يستطيع أن يفيد المجتمع وأن يحقق دخلا أكثر من أي طبيب أو صيدلي أو مهندس، سواء كان ذلك المبدع أستاذا أو محاميا، أو رساما أو عازف قانون أو محاسبا أو نجار باتون ... الخ. قد يقول لي أحدهم، "اصح يا أخي، أنت لست في مدينة أفلاطون الفاضلة؟" ولكن هل تضمن أيها السائل العزيز أن كل الأطباء الخريجين من كلية الطب سيكونون في خدمة المجتمع وأن دخولهم ستكون من أعلى الدخول و أن لا يكون أحدهم مثل هذا الطبيب؟ من فرض أن يكون الأطباء هم من الطلاب الأكثر نشاطا دراسيا (وذلك بسبب طلب المجموع العالي لعلامات الثانوية) عن غيرهم؟ من هم أكثر من يخلد التاريخ أسمائهم، هل هم الأطباء والصيادلة والمهندسين، أم علماء الرياضيات والفنانين والأدباء؟
شخصيا لا أدعو إلى إلغاء نظام المفاضلة العامة، لأنه وللأسف أفضل الحلول الموجودة في الوضع الحالي، إلا أني أدعو المجتمع إلى تغيير وجهة نظره حول أهمية كل اختصاص جامعي وعدم الانخداع بهالة الكذبة الكبيرة لترتيب الكليات في ورقة المفاضلة العامة، بل أن يتبع الطالب ميوله واهتماماته قبل التفكير بأي أحلام وردية عن مستقبل بصدرية بيضاء، وجيوب ممتلئة بأوراق خضراء اللون سحبها من جيوب المساكين، أو قبل أن يحلم بمستقبل تلمع فيه مسطرة رسم هندسي التي سيسطر بها بناء سيتداعى على رؤوس سكانه قبل أن يأتي الزلزال الموعود.
إلا أن تعليقات القراء مشكورين سلطت الأضواء على جوانب غفلت عن ذهني أثناء كتابة الموضوع، وأكثر ما شدني هو عبارة "ماهي خيارات الطالب ميسور الحال، قبل التعليم الموازي؟" من uramium وعبارة "لم أفهم لم عليه ان لا يذهب للتعليم الموازي؟" من أمنية.
قد يتقبل المجتمع السوري اليوم نظام التعليم الموازي على أنه حل للطالب من أبناء الطبقة الميسورة وذلك عوضا عن سفره للدراسة في الخارج وبالتالي وجود احتمال كبير لخسارته من البلد أو تعرضه للمتاعب في الغربة أثناء دراسته؟ أتساءل هل هذا حقا هو السبب الحقيقي وراء نظام التعليم الموازي، "توطين الطلبة؟" بمراجعة صفحة إحصاءات المغتربين في موقع وزارة المغتربين نجد أن عدد المغتربين السوريين حاليا هو 981000 مغترب، أي ما يشكل حوالي 5 % من عدد السكان وهي نسبة أكبر بكثير من عدد جميع من يتقدم لامتحانات الثانوية العامة لعدة أعوام مجتمعة، ثم هل يهمنا حقاً بقاء الشباب في سورية؟ إذا ما الذي يفسر وجود أكبر نسبة من المغتربين من الطبقة العمرية في العشرينات والثلاثينات من العمر؟ طبعا كلنا يعلم السبب.
على العموم موضوع الاغتراب خارج عن نطاق هذه التدوينة. السؤال المطروح هو "هل نحن بحاجة للتعليم الموازي؟" البعض والكثير منهم من الطلبة قد يجاوب "نعم" وهي وجهة نظر أحترمها، لكن أتساءل "لماذا؟" سيكون الجواب بطبيعة الحال "لأحصل على مقعد في كلية أفضل؟" وهنا يبدأ موضوعي الجديد، "ما الذي يحدد الكلية الأفضل من الكلية الأسوأ؟"
ما يحدد "الكلية الأفضل" و "الكلية الأسوأ" في وجهة نظر المجتمع السوري هو ترتيب الكليات حسب مجموع المرحلة الثانوية في ورقة "المفاضلة العامة". كما تعلمون منذ عقود تتربع الكليات الذهبية وهي كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة على عرش تلك القائمة يليها كلية الهندسة المعلوماتية وهذه الكليات الأربع يعدها الكثير الهدف الأسمى لأي طالب في المرحلة الثانوية، تمتد القائمة لتأتي الكليات الفضية والتي تتضمن الهندسات بفروعها بدءا بالهندسة المدنية ونزولا حتى الهندسة الزراعية، تليها كليات المرتبة الثالثة التي تتضمن الحقوق والآداب والاقتصاد و .. و .. و تطول القائمة لتبدأ المعاهد المتوسطة ... حتى آخر القائمة.
لن أخدع نفسي أو أخدع الآخرين بالقول أني كنت خارج إطار المجتمع السوري عند اختيار الفرع الذي أمضيت فيه فترة دراستي الجامعية الأولى، وأني سجلت رغباتي في المفاضلة وفقا للترتيب في الأعلى، لكن والآن وبعد تمرس في المجتمع ورؤية الأنظمة التعليمية في الدول الأخرى بدأ يتضح لي سوء نظام المفاضلة العامة ذلك.
في الاعتقاد العام السائد في المجتمع السوري أن ذلك الترتيب هو ترتيب يتعلق بالمدخول المادي للخريج واحتمال تأمين فرصة عمل مستقبلية بعد التخرج، لذلك تكون المهن الصحية والتقنية في أعلى القائمة بينما تكون المهن الخدمية في منتصفها وأسفلها. طبعا هذا الاعتقاد قد يكون صحيحا في الجزء الأكبر منه خاصة إن أخذنا في عين الاعتبار الوضع العام السائد في سورية، إلا أنه ليس بالمطلق.
شخصيا أعتبر أن المبدع في أي مجال يستطيع أن يفيد المجتمع وأن يحقق دخلا أكثر من أي طبيب أو صيدلي أو مهندس، سواء كان ذلك المبدع أستاذا أو محاميا، أو رساما أو عازف قانون أو محاسبا أو نجار باتون ... الخ. قد يقول لي أحدهم، "اصح يا أخي، أنت لست في مدينة أفلاطون الفاضلة؟" ولكن هل تضمن أيها السائل العزيز أن كل الأطباء الخريجين من كلية الطب سيكونون في خدمة المجتمع وأن دخولهم ستكون من أعلى الدخول و أن لا يكون أحدهم مثل هذا الطبيب؟ من فرض أن يكون الأطباء هم من الطلاب الأكثر نشاطا دراسيا (وذلك بسبب طلب المجموع العالي لعلامات الثانوية) عن غيرهم؟ من هم أكثر من يخلد التاريخ أسمائهم، هل هم الأطباء والصيادلة والمهندسين، أم علماء الرياضيات والفنانين والأدباء؟
شخصيا لا أدعو إلى إلغاء نظام المفاضلة العامة، لأنه وللأسف أفضل الحلول الموجودة في الوضع الحالي، إلا أني أدعو المجتمع إلى تغيير وجهة نظره حول أهمية كل اختصاص جامعي وعدم الانخداع بهالة الكذبة الكبيرة لترتيب الكليات في ورقة المفاضلة العامة، بل أن يتبع الطالب ميوله واهتماماته قبل التفكير بأي أحلام وردية عن مستقبل بصدرية بيضاء، وجيوب ممتلئة بأوراق خضراء اللون سحبها من جيوب المساكين، أو قبل أن يحلم بمستقبل تلمع فيه مسطرة رسم هندسي التي سيسطر بها بناء سيتداعى على رؤوس سكانه قبل أن يأتي الزلزال الموعود.
الأربعاء، 26 أغسطس 2009
التعليم الموازي خدمة للطلاب أم طبقية اجتماعية؟
وصلني يوم أمس هاتف من أحد أقربائي يستشيرني في مفاضلة ابنه الذي أتم مرحلة دراسته الثانوية، ويستعد لدخول الجامعة. يبدو أن مجموعه يؤهله دخول أحد الكليات التي يطلق عليها المجتمع للأسف اسم "الكليات المحترمة" (والتي يتصور الكثير أنها تنتهي مع انتهاء كلمة الهندسة في لائحة الكليات في ورقة المفاضلة العامة)، إلا أنه يطمع إلى دخول أحد "الكليات الذهبية" الأربع في مقدمة المفاضلة وإن كلفه الأمر دفع رسوم التعليم الموازي. لم تكن مسميات مثل التعليم الموازي والتعليم المفتوح والجامعات الخاصة وغيرها موجودة على أيامي، إلا أن اطلاعي على الموضوع ربما كان كافيا لنصحه من حيث رأيي الشخصي بعدم التوجه إلى التعليم الموازي.
بعد بحث قصير تبين أن التعليم الموازي هو نظام وضعته وزارة التعليم العالي منذ العام الدراسي 2002/2003 والذي كان قد طبق في بعض الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية حيث يدرس الطلاب التابعين جنبا إلى جنب مع الطلاب المقبولين بالمفاضلة العامة ولكن برسوم أعلى (تصل إلى عشرات الأضعاف حسب علمي) مقابل التسامح في بعض العلامات من مجموع الثانوية العامة.
من وجهة نظر وزارة التعليم العالي فهو "بزنس" كبير يدر الذهب، حيث يتم حجز نسبة (أخالها تصل إلى 15 - 20 %) من عدد مقاعد كل قسم لطلاب التعليم الموازي وإدخالهم برسوم عالية دون أن يتطلب منها ذلك أي زيادة في البنية التحتية للكليات (حيث أن عدد الاستيعاب لا يزيد عموما) بل يكون على حساب نسبة الطلاب الذين لا يستطيعون دفع رسوم التعليم الموازي والذين تكون علاماتهم على الأرجح مساوية لعلامات من حصل على مقاعد التعليم الموازي في تلك الكلية، وعلى حساب أعضاء الهيئة التدريسية الذين سيتلقون طلاب ذوي درجة تحصيل أدنى من المعدل الذي كان موجود سابقا مما يحملهم بأعباء نسبية (ربما تكون غير ملحوظة وغير مقاسة كميا) ولكن بالمقابل رفع المدخول لأعضاء الهيئة التدريسية قد يؤدي إلى سد تلك الفجوة. أما من وجهة نظر فلسفة التعليم، فإن نظام كهذا سيكون محققا لأهداف وزارة التعليم العالي في تحقيق العدل في التعليم للجميع وذلك بمساعدة الطلاب الذين تنقصهم بعض العلامات بسبب أو بآخر وذلك قد لا يعكس مستواهم الدراسي الحقيقي على دخول الكلية التي يرغبون بها، إلا أن ذلك سيكون تحقيقه بشكل واقعي أكبر إن تم توسيع عدد المقاعد الدراسية للكليات لهؤلاء الفئة من الطلاب وليس حجز نسبة من المقاعد الحالية على حساب طلاب المفاضلة العامة.
من وجهة نظر الطالب فلدينا ثلاث حالات (حالات عامة قد لا تنطبق على الجميع) :
* طالب مسجل بالكلية دون تعليم موازي، سينتابه الشعور بالفوقية على طلاب التعليم الموازي وذلك لاعتبار نفسه (لا شعوريا) بأنه متفوق دراسيا عليهم وأنهم دخلوا الكلية بسبب النقود
* طالب مسجل بالكلية بنظام التعليم الموازي، سيشعر بالتمييز والتفرقة بين زملائه بسبب مشاعر الطلاب من الفئة أعلاه، ولكنه من ناحية أخرى قد يشعر بالفوقية بسبب قوة الحالة المادية له التي مكنته من الحصول على مقعد في الكلية التي يرغبها
* طالب لم يستطع التسجيل بالكلية تنقصه علامة واحدة (وكان سيستطيع التسجيل إن لم يتم حجز 20% من المقاعد لنظام التعليم الموازي) : سيشعر بالسخط على المجتمع وعلى وزارة التعليم العالي الظالمة التي وضعت هذا النظام الذي هضمه حقه مقابل ملئ جيوب الوزارة، كما سيشعر بالسخط على أهله وحالتهم المادية البسيطة التي لم تمكنهم من دفع رسوم التعليم الموازي له ليدخل الكلية التي يحلم بها، بالإضافة إلى ذلك فإن سيصبح من فئة الطلاب الأولى أعلاه في كليته التي يسجل بها بالشعور بالتفوق على طلاب التعليم الموازي هناك وتتكرر الحلقة نزولا بين الفئات الثلاثة للطلاب.
من وجهة نظر أهل الطالب، سيكون الوضع مشابها لحالة الطلاب، بأن يشعر أهل الطالب الميسورين ماديا الذي استطاع التسجيل في التعليم الموازي بقدرتهم على "شراء" أي مقعد في الكلية التي يرغب بها ابنهم بالنقود، أو أن يكدح أهل الطالب من الطبقة المتوسطة لتأمين أقساط الجامعة المرتفعة مقابل حصول ابنهم على أفضل مستوى تعليمي (بنظرهم)، أو أن يشعر أهل الطالب من الطبقة الفقيرة بالنقمة على المجتمع الذي يضع النقود دائما حاجزا للتمييز بين الناس حتى في أمور العلم والمعرفة التي يفترض أن تكون متاحة الفرص للجميع.
الآن يبقى المجتمع الذي سيكون ببغاءا لأحاديث أنواع الأشخاص المذكورة في الأعلى و يترقب نتائج المفاضلة ويبارك لزيد على دخوله كلية أحلامه ويرطب خاطر عمرو لعدم توفقه في الحصول على مقعد ذهبي في الكلية التي كان يحلم بها أهله طوال سنوات دراسته الاثنتي عشر.
بعد بحث قصير تبين أن التعليم الموازي هو نظام وضعته وزارة التعليم العالي منذ العام الدراسي 2002/2003 والذي كان قد طبق في بعض الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية حيث يدرس الطلاب التابعين جنبا إلى جنب مع الطلاب المقبولين بالمفاضلة العامة ولكن برسوم أعلى (تصل إلى عشرات الأضعاف حسب علمي) مقابل التسامح في بعض العلامات من مجموع الثانوية العامة.
من وجهة نظر وزارة التعليم العالي فهو "بزنس" كبير يدر الذهب، حيث يتم حجز نسبة (أخالها تصل إلى 15 - 20 %) من عدد مقاعد كل قسم لطلاب التعليم الموازي وإدخالهم برسوم عالية دون أن يتطلب منها ذلك أي زيادة في البنية التحتية للكليات (حيث أن عدد الاستيعاب لا يزيد عموما) بل يكون على حساب نسبة الطلاب الذين لا يستطيعون دفع رسوم التعليم الموازي والذين تكون علاماتهم على الأرجح مساوية لعلامات من حصل على مقاعد التعليم الموازي في تلك الكلية، وعلى حساب أعضاء الهيئة التدريسية الذين سيتلقون طلاب ذوي درجة تحصيل أدنى من المعدل الذي كان موجود سابقا مما يحملهم بأعباء نسبية (ربما تكون غير ملحوظة وغير مقاسة كميا) ولكن بالمقابل رفع المدخول لأعضاء الهيئة التدريسية قد يؤدي إلى سد تلك الفجوة. أما من وجهة نظر فلسفة التعليم، فإن نظام كهذا سيكون محققا لأهداف وزارة التعليم العالي في تحقيق العدل في التعليم للجميع وذلك بمساعدة الطلاب الذين تنقصهم بعض العلامات بسبب أو بآخر وذلك قد لا يعكس مستواهم الدراسي الحقيقي على دخول الكلية التي يرغبون بها، إلا أن ذلك سيكون تحقيقه بشكل واقعي أكبر إن تم توسيع عدد المقاعد الدراسية للكليات لهؤلاء الفئة من الطلاب وليس حجز نسبة من المقاعد الحالية على حساب طلاب المفاضلة العامة.
من وجهة نظر الطالب فلدينا ثلاث حالات (حالات عامة قد لا تنطبق على الجميع) :
* طالب مسجل بالكلية دون تعليم موازي، سينتابه الشعور بالفوقية على طلاب التعليم الموازي وذلك لاعتبار نفسه (لا شعوريا) بأنه متفوق دراسيا عليهم وأنهم دخلوا الكلية بسبب النقود
* طالب مسجل بالكلية بنظام التعليم الموازي، سيشعر بالتمييز والتفرقة بين زملائه بسبب مشاعر الطلاب من الفئة أعلاه، ولكنه من ناحية أخرى قد يشعر بالفوقية بسبب قوة الحالة المادية له التي مكنته من الحصول على مقعد في الكلية التي يرغبها
* طالب لم يستطع التسجيل بالكلية تنقصه علامة واحدة (وكان سيستطيع التسجيل إن لم يتم حجز 20% من المقاعد لنظام التعليم الموازي) : سيشعر بالسخط على المجتمع وعلى وزارة التعليم العالي الظالمة التي وضعت هذا النظام الذي هضمه حقه مقابل ملئ جيوب الوزارة، كما سيشعر بالسخط على أهله وحالتهم المادية البسيطة التي لم تمكنهم من دفع رسوم التعليم الموازي له ليدخل الكلية التي يحلم بها، بالإضافة إلى ذلك فإن سيصبح من فئة الطلاب الأولى أعلاه في كليته التي يسجل بها بالشعور بالتفوق على طلاب التعليم الموازي هناك وتتكرر الحلقة نزولا بين الفئات الثلاثة للطلاب.
من وجهة نظر أهل الطالب، سيكون الوضع مشابها لحالة الطلاب، بأن يشعر أهل الطالب الميسورين ماديا الذي استطاع التسجيل في التعليم الموازي بقدرتهم على "شراء" أي مقعد في الكلية التي يرغب بها ابنهم بالنقود، أو أن يكدح أهل الطالب من الطبقة المتوسطة لتأمين أقساط الجامعة المرتفعة مقابل حصول ابنهم على أفضل مستوى تعليمي (بنظرهم)، أو أن يشعر أهل الطالب من الطبقة الفقيرة بالنقمة على المجتمع الذي يضع النقود دائما حاجزا للتمييز بين الناس حتى في أمور العلم والمعرفة التي يفترض أن تكون متاحة الفرص للجميع.
الآن يبقى المجتمع الذي سيكون ببغاءا لأحاديث أنواع الأشخاص المذكورة في الأعلى و يترقب نتائج المفاضلة ويبارك لزيد على دخوله كلية أحلامه ويرطب خاطر عمرو لعدم توفقه في الحصول على مقعد ذهبي في الكلية التي كان يحلم بها أهله طوال سنوات دراسته الاثنتي عشر.
الثلاثاء، 25 أغسطس 2009
تعديل دستوري
خيم الصمت على القاعة، أليس من المفترض أن يتكلم أحد هنا؟ أكثر من 300 شخص غرقوا في الصمت العميق، إلا أن بعض العيون كانت تتكلم بمفردها وهي مغلقة كي لا يسترق السمع إليها أحد، وكان البعض يصرخ ويصرخ عاليا إلا أن ملابس الشتاء السميكة التي لا تناسب حر الصيف كتمت ذلك الصراخ في داخله. البعض الآخر كان يفكر "يا ترى ما الذي سيحصل لبطل مسلسل السهرة اليوم؟ هل سيستطيع التقدم لخطبة حبيبته؟"، أحدهم كان يفكر بالذهب والورود والحرير، وآخر كان يحلم بالدم والسلاح والدموع.
نهض أحدهم رافعا يده، فأومأ له رئيس الجلسة آذنا له بالخروج. تنهنه آخر فتوجهت إليه عشرات الأنظار فانقلب لون وجهه إلى حمرة امتزجت مع سمرة رسمتها شمس الريف الحارقة فرفع كأس الماء إلى فمه محاولاً إخفاء تلك الحمرة في ظل الكأس الزجاجي العريض ما استطاع، واستغرق في شربة الماء إلى أن عادت الأنظار إلى ما كانت تفعل من ذي قبل.
"هل من معارض؟" صرخ رئيس الجلسة بصوت خافت إلا أن الأعوام التي أمضاها على ذلك الكرسي العالي كانت كفيلة بإسماع جميع الحاضرين هناك دون أدنى شك في ما يقول، إلا أنه لم يكد ينه عبارته إلا وكان الجميع قد عاد إلى ما كان يفعله، وعاد الصمت إلى القاعة إلا أنه في هذه المرة كان قد تخلله صوت خرزات مسبحة ذات الثلاثة والثلاثين خرزة تدور وتدور بين أصابع أحدهم والتي كان قد أحضرها معه من الحج في العام الماضي.
نهض أحدهم إلا أنه لم يرفع يده في هذه المرة. "ها هو ذو النظارات يقف مرة أخرى! الله يستر!" همس ذلك الذي كان يحلم بالذهب والحرير إلا أن همساته سمعها الكثيرين هناك. إلا أن صاحب النظارات لم يتفوه بحرف فقد كان يعلم أن صوته الخافت غير كفيل بإسماع من كان حاضرا هناك، فكرسيه كان منزويا ولم يكن قد تدرب على الحديث بصوت واضح من قبل، إلا أنه مرر ورقة كان قد أمضى الدقائق الماضية مطرقاً رأسه في كتابتها إلى مساعد الجلسة، الذي هرول بها إلى مكتب رئيس الجلسة.
رفع رئيس الجلسة نظاراته التي كان يستخدمها للنظر بعيدا مقطبا حاجبيه لقراءة الورقة التي قربها من وجهه، وبعد نصف دقيقة أعاد النظارات إلى مكانها وأنزل الورقة إلى مكتبه بعد أن همس في أذن مساعد الجلسة الذي أسرع عائدا إلى مكان الكرسي المنزوي لصاحب النظارات فهمس له بضع كلمات ثم خرجا سوية من القاعة.
"بما أنه لا معارض، فقد تم إقرار التعديل الدستوري الذي تقدمت به الحكومة مشكورة. رفعت الجلسة." قال رئيس الجلسة وبدأ بلملمة بعض الأوراق ورمي أوراق أخرى في سلة المهملات الموضوعة أسفل مكتبه أثناء تبادل بعض الكلمات مع كاتب الجلسة ومساعديه وبسمة خافتة تعلو وجهه.
بضع دقائق مرت قبل أن يُفتَحَ باب القاعة التي كانت قد فرغت من الحاضرين، ليدخل أحدهم ليلتقط حقيبته بيديه التي لا تزالا لم تجفا تماما بعد، وكان في طريقه للخروج من القاعة عندما لفت نظره وجود حقيبة أخرى متبقية على أحد المقاعد مع بعض الأوراق المنثورة على المقعد وبجانبها قلم منزوع الغطاء.
نهض أحدهم رافعا يده، فأومأ له رئيس الجلسة آذنا له بالخروج. تنهنه آخر فتوجهت إليه عشرات الأنظار فانقلب لون وجهه إلى حمرة امتزجت مع سمرة رسمتها شمس الريف الحارقة فرفع كأس الماء إلى فمه محاولاً إخفاء تلك الحمرة في ظل الكأس الزجاجي العريض ما استطاع، واستغرق في شربة الماء إلى أن عادت الأنظار إلى ما كانت تفعل من ذي قبل.
"هل من معارض؟" صرخ رئيس الجلسة بصوت خافت إلا أن الأعوام التي أمضاها على ذلك الكرسي العالي كانت كفيلة بإسماع جميع الحاضرين هناك دون أدنى شك في ما يقول، إلا أنه لم يكد ينه عبارته إلا وكان الجميع قد عاد إلى ما كان يفعله، وعاد الصمت إلى القاعة إلا أنه في هذه المرة كان قد تخلله صوت خرزات مسبحة ذات الثلاثة والثلاثين خرزة تدور وتدور بين أصابع أحدهم والتي كان قد أحضرها معه من الحج في العام الماضي.
نهض أحدهم إلا أنه لم يرفع يده في هذه المرة. "ها هو ذو النظارات يقف مرة أخرى! الله يستر!" همس ذلك الذي كان يحلم بالذهب والحرير إلا أن همساته سمعها الكثيرين هناك. إلا أن صاحب النظارات لم يتفوه بحرف فقد كان يعلم أن صوته الخافت غير كفيل بإسماع من كان حاضرا هناك، فكرسيه كان منزويا ولم يكن قد تدرب على الحديث بصوت واضح من قبل، إلا أنه مرر ورقة كان قد أمضى الدقائق الماضية مطرقاً رأسه في كتابتها إلى مساعد الجلسة، الذي هرول بها إلى مكتب رئيس الجلسة.
رفع رئيس الجلسة نظاراته التي كان يستخدمها للنظر بعيدا مقطبا حاجبيه لقراءة الورقة التي قربها من وجهه، وبعد نصف دقيقة أعاد النظارات إلى مكانها وأنزل الورقة إلى مكتبه بعد أن همس في أذن مساعد الجلسة الذي أسرع عائدا إلى مكان الكرسي المنزوي لصاحب النظارات فهمس له بضع كلمات ثم خرجا سوية من القاعة.
"بما أنه لا معارض، فقد تم إقرار التعديل الدستوري الذي تقدمت به الحكومة مشكورة. رفعت الجلسة." قال رئيس الجلسة وبدأ بلملمة بعض الأوراق ورمي أوراق أخرى في سلة المهملات الموضوعة أسفل مكتبه أثناء تبادل بعض الكلمات مع كاتب الجلسة ومساعديه وبسمة خافتة تعلو وجهه.
بضع دقائق مرت قبل أن يُفتَحَ باب القاعة التي كانت قد فرغت من الحاضرين، ليدخل أحدهم ليلتقط حقيبته بيديه التي لا تزالا لم تجفا تماما بعد، وكان في طريقه للخروج من القاعة عندما لفت نظره وجود حقيبة أخرى متبقية على أحد المقاعد مع بعض الأوراق المنثورة على المقعد وبجانبها قلم منزوع الغطاء.
الاثنين، 24 أغسطس 2009
كتاب القرائة
وقف ممسكا كتاب القراءة الذي لم يعد يشير إلى أنه كتاب قراءة إلا لون غلافه الكرتوني الأخضر وكلمة "القرائة" التي كتبها بخط يده مخطئا تهجئتها بعد أن تلفلفت حواف الكتاب الذي لازال في الخدمة منذ عهد أخيه الكبير الذي أصبح في سنته الجامعية الثانية، "طبع هذا الكتاب للمرة الأولى في العام 1981"، كان قد قرأ هذه العبارة عشرات المرات لأنها على الصفحة الأولى تحت الغلاف الكرتوني الأخضر، ذلك الغلاف الذي كانت قد اقتطعته والدته من أرومة تقويم العام الماضي وطلبت من صاحب المكتبة أن يخرزه بالكتاب بعد أن فاوضته على ثمن الخرزات لأكثر من ربع ساعة.
فاحت رائحة المازوت الجاف من الصفحة الصفراء بعد أن قلبها بإشارة من معلمه إلى أن زميلته السابقة كان قد أنهت قراءة تلك الصفحة، كان قد قدر لذلك الكتاب أن يمضي صيف العام الماضي في قبو المدرسة في أسفل ربطة كتب القراءة للصف الرابع الابتدائي ملامسا أرض القبو طوال حر الصيف، حتى عندما كان صنبور خزان المازوت ينقط على مهل في نصف قنينة مياه قديمة راميا برذاذه إلى مسافة نصف متر من حولها.
"لقد مر الأسبوع سريعا، هل انتهى دور جميع من في الصف وحان دوري في القراءة مرة أخرى؟"، "الجم..." صاح معلم الصف بصوت عال مساعدا له لبداية القراءة، كانت الكلمة أطول من أن يستطيع قراءتها دفعة واحدة، ذهب نظره مرة أخرى إلى الكلمات المكتوبة في أسفل الصفحة التي كانت أسهل للقراءة من النص المطبوع "اذهب إلى الصفحة 66 بانتظارك هدية"، كان قد ذهب هناك عشرات المرات، ثم إلى صفحة أخرى فأخرى تابعا الإرشادات فيعود من حيث بدأ.
سمع الأستاذ يقول مرة أخرى "الجم..."، فبدأ بالقراءة محمر الوجه "الجمعي..." وطرف نظره إلى زميله بجانبه الذي وضع عددا جديدا من ألغاز المغامرين الخمسة لقراءته تحت المقعد، "هل يقرأه حقا، أم أنه ينظر إلى الصور فقط؟" لم يقدر له التفكير سابقا بالنظر إلى أي كتاب آخر غير كتبه المدرسية المهترئة ومجلات الفنانات المرمية تحت كراسي الحديقة ليدرك أن ليس كل الكتب هي كتب بصور وألوان.
"الجمعية..." قال المعلم مرة أخرى وقد أصابه الملل، كان يريد الانتقال إلى من يجلس بجانبه لينهي النص دفعة واحدة قبل أن يقرع جرس الانصراف، إلا أن ضميره المهني لم يكن ليسمح له بإقصاء ضعيفي المستوى التعليمي. "الجمعية..." ردد بعد المعلم، "الجمعية الـ..."، هناك تذكر أن بعد غد هو يوم توزيع السكر في الجمعية التموينية، أرجو أن أكون آخر من يحصل على السكر في كيس القماش ليعطيني إياه موزع التموين، فأمي دائما تقول أن أكياس السكر تصلح كحفاضات جيدة للأطفال الرضع، صحيح أن السكر كان أصفر اللون، إلا أنه يحلي الشاي بكميات أقل من السكر الأبيض.
"الجمعية التعاونية الفلاحية التي ساهمت في التخلص من التسلط الإقطاعي على الفلاحين هي مكرمة من مكارم الوطن" أكمل المعلم القراءة سريعا وهو يغلق الكتاب حاملاً إياه وهو يتوجه خارجا من الصف قبل أن ينهي جرس الحصة الخامسة صوته الضائع بين صيحات الطلاب المندفعين خارج المدرسة.
فاحت رائحة المازوت الجاف من الصفحة الصفراء بعد أن قلبها بإشارة من معلمه إلى أن زميلته السابقة كان قد أنهت قراءة تلك الصفحة، كان قد قدر لذلك الكتاب أن يمضي صيف العام الماضي في قبو المدرسة في أسفل ربطة كتب القراءة للصف الرابع الابتدائي ملامسا أرض القبو طوال حر الصيف، حتى عندما كان صنبور خزان المازوت ينقط على مهل في نصف قنينة مياه قديمة راميا برذاذه إلى مسافة نصف متر من حولها.
"لقد مر الأسبوع سريعا، هل انتهى دور جميع من في الصف وحان دوري في القراءة مرة أخرى؟"، "الجم..." صاح معلم الصف بصوت عال مساعدا له لبداية القراءة، كانت الكلمة أطول من أن يستطيع قراءتها دفعة واحدة، ذهب نظره مرة أخرى إلى الكلمات المكتوبة في أسفل الصفحة التي كانت أسهل للقراءة من النص المطبوع "اذهب إلى الصفحة 66 بانتظارك هدية"، كان قد ذهب هناك عشرات المرات، ثم إلى صفحة أخرى فأخرى تابعا الإرشادات فيعود من حيث بدأ.
سمع الأستاذ يقول مرة أخرى "الجم..."، فبدأ بالقراءة محمر الوجه "الجمعي..." وطرف نظره إلى زميله بجانبه الذي وضع عددا جديدا من ألغاز المغامرين الخمسة لقراءته تحت المقعد، "هل يقرأه حقا، أم أنه ينظر إلى الصور فقط؟" لم يقدر له التفكير سابقا بالنظر إلى أي كتاب آخر غير كتبه المدرسية المهترئة ومجلات الفنانات المرمية تحت كراسي الحديقة ليدرك أن ليس كل الكتب هي كتب بصور وألوان.
"الجمعية..." قال المعلم مرة أخرى وقد أصابه الملل، كان يريد الانتقال إلى من يجلس بجانبه لينهي النص دفعة واحدة قبل أن يقرع جرس الانصراف، إلا أن ضميره المهني لم يكن ليسمح له بإقصاء ضعيفي المستوى التعليمي. "الجمعية..." ردد بعد المعلم، "الجمعية الـ..."، هناك تذكر أن بعد غد هو يوم توزيع السكر في الجمعية التموينية، أرجو أن أكون آخر من يحصل على السكر في كيس القماش ليعطيني إياه موزع التموين، فأمي دائما تقول أن أكياس السكر تصلح كحفاضات جيدة للأطفال الرضع، صحيح أن السكر كان أصفر اللون، إلا أنه يحلي الشاي بكميات أقل من السكر الأبيض.
"الجمعية التعاونية الفلاحية التي ساهمت في التخلص من التسلط الإقطاعي على الفلاحين هي مكرمة من مكارم الوطن" أكمل المعلم القراءة سريعا وهو يغلق الكتاب حاملاً إياه وهو يتوجه خارجا من الصف قبل أن ينهي جرس الحصة الخامسة صوته الضائع بين صيحات الطلاب المندفعين خارج المدرسة.
الأحد، 23 أغسطس 2009
عيد وفاة
اجتمعوا بأكفانهم البيضاء التي كانوا قد حضروها لهذه المناسبة، لملموا الزهور التي أحضرها أهله في الصباح عند زيارة قبره في ذكرى وفاته الثالثة، وزينوا بها طاولة العشاء ينتظرونه ليصحو من قيلولة بعد الظهيرة. لقد مرت السنوات الثلاث مثل لمح البصر، كان آخر من وفد إلى تلك المقبرة التي امتنعت عن استقبال المزيد من الموتى بسبب محدودية المكان. رغم أنهم شعروا بالحزن على عدم مجئ المزيد من النزلاء الجدد، إلا أنهم كانوا راضين عن عدد المقيمين الحاليين، فإن زاد العدد أكثر سيكون من المتعب التحضير لحفلات أعياد الوفاة لكل النزلاء.
صحا من نومه، كان كفنه قد تجعد فقد نسي استبداله قبل النوم، استغرب من النور الزائد في المقبرة على غير العادة، ظن أنها أحد تلك أعمال الحفريات المزعجة التي لن تجعله ينام طوال الليل مرة أخرى هي السبب في كل تلك الإنارة. نظر حوله فلاحظ اختفاء الأزهار التي أحضرها في الصباح ابنه الأكبر مع أحفاده الثلاثة الذي كان أحدهم لا يزال حديث العهد بالمشي، كانت تلك المرة الأولى التي يقابله فيها، "من ذهب بها ياترى؟ هل هو أحد سارقي المقابر مرة أخرى؟ ألم تكفه أضراس الذهب والفضة، وجماجم وعظام النزلاء هنا حتى تدنو نفسه لسرقة أزهار ستذبل مع وصوله إلى المدينة؟" "أم أنه عاشق لا يعرف لون العشق يريد أن يقدمها لحبيبة لا تفرق بين لون أزهار الموت ولون أزهار الحب؟"
نهض من مرقده يبحث عن مفتاح النور ليطفأه، وإذا بجميع أنوار المقبرة قد خفتت وانطلقت أصوات المجتمعين حول المائدة عالية "عيد وفاة سعيد". تسمر في مكانه من هول المفاجأة محمر الوجه، وبدأ قلبه ينبض عاليا، ومنذ ذلك الحين وفي تلك المقبرة قبر فارغ.
صحا من نومه، كان كفنه قد تجعد فقد نسي استبداله قبل النوم، استغرب من النور الزائد في المقبرة على غير العادة، ظن أنها أحد تلك أعمال الحفريات المزعجة التي لن تجعله ينام طوال الليل مرة أخرى هي السبب في كل تلك الإنارة. نظر حوله فلاحظ اختفاء الأزهار التي أحضرها في الصباح ابنه الأكبر مع أحفاده الثلاثة الذي كان أحدهم لا يزال حديث العهد بالمشي، كانت تلك المرة الأولى التي يقابله فيها، "من ذهب بها ياترى؟ هل هو أحد سارقي المقابر مرة أخرى؟ ألم تكفه أضراس الذهب والفضة، وجماجم وعظام النزلاء هنا حتى تدنو نفسه لسرقة أزهار ستذبل مع وصوله إلى المدينة؟" "أم أنه عاشق لا يعرف لون العشق يريد أن يقدمها لحبيبة لا تفرق بين لون أزهار الموت ولون أزهار الحب؟"
نهض من مرقده يبحث عن مفتاح النور ليطفأه، وإذا بجميع أنوار المقبرة قد خفتت وانطلقت أصوات المجتمعين حول المائدة عالية "عيد وفاة سعيد". تسمر في مكانه من هول المفاجأة محمر الوجه، وبدأ قلبه ينبض عاليا، ومنذ ذلك الحين وفي تلك المقبرة قبر فارغ.
جدران المدنية
منذ عدة أيام وأنا متوجه إلى منزلي ليلا شاهدت ابن عرس يجري في الشارع، كان داكن اللون لدرجة اعتقدت معه أنه مجرد هر أو حتى فأر كبير إلا أن ذيله العريض لم يترك أي مجال للشك في أنه ابن عرس. ذهلت من ذلك حيث أنها كانت أول مرة أرى فيها ابن عرس في حياتي، فما بالكم إن كان ذلك ابن عرس الذي شاهدته في منتصف مدينة مكتظة بالسكان!
فكرت في نفسي قليلا، لم يكن غريبا أن أشاهد قطا أو فأرا أو حتى كلبا يمر في الشارع بينما كان من الغريب أن أشاهد ابن عرس؟ أليست كل ما ذكرت حيوانات؟ بل إن ابن عرس هو من فصيلة القطط أي لن يمنع ظهوره في الشارع ما يمنع ظهور أي قطة. لماذا ما الغريب في ظهور ابن عرس في المدينة؟ لم أجد تفسيرا لغرابة اعتقادي بظهور ابن عرس في المدينة إلا جدران المدنية المرسومة في رؤوسنا حول قداسة المدن البشرية وعزلتها عن العالم الخارجي أو بالأحرى مما يحيط بها من بيئة تضم جميع المخلوقات على وجه الكرة الأرضية وليست مقتصرة على الجنس البشري فحسب.
نعم، لو كان للمدينة جدران ببوابات وعليها حراس من بني البشر يسمحون لأي كائن بالدخول أو يمنعونه لكان حقا من الغريب رؤية ابن عرس في المدينة، حيث ستمنعه الكثير من البوابات من الدخول لأن بني البشر لم يعتادوا على وجوده بينهم سواء لأنه ليس حيوانا أليفا كالقط أو الكلب، أو أنه ليس حيوانا متسللا في مجاري المياه كالفئران والجرذان، ولا يمكنه الطيران وتجاوز حواجز بني البشر كالحمام والغربان.
إلا أن العيش في المدينة لفترة طويلة ترسم حقا تلك الجدران في مخيلتنا، وتجعل أي ساكن للمدينة يعتقد بوجود تلك الجدران حول المدينة التي تمنع دخول الدببة والنمور والأسود والذئاب والضباع إليها، كما تقصي الغابات والمستنقعات والجبال خارجا فتصبح أماكن للنزهة بعيدا عن المدينة وجدرانها.
يبقى السؤال معلقا، إن رأيت اليوم ابن عرس في الشارع ما الذي يمنع من أن أرى ذئبا أو دبا في الغد يقف أمام المتجر الذي اعتدت التسوق منه؟ هل هو خوف تلك المخلوقات من بني البشر ومدنيتهم فيرسمون لأنفسهم جدران يقفون عندها، أم لأسفهم على نمط الحياة في المدينة فيأبون الدخول إليها والعيش فيها كما يعيش الإنسان المسكين آسرا نفسه في جدران المدنية التي لا وجود لها إلا في خياله الضيق وأفقه المحدود؟
فكرت في نفسي قليلا، لم يكن غريبا أن أشاهد قطا أو فأرا أو حتى كلبا يمر في الشارع بينما كان من الغريب أن أشاهد ابن عرس؟ أليست كل ما ذكرت حيوانات؟ بل إن ابن عرس هو من فصيلة القطط أي لن يمنع ظهوره في الشارع ما يمنع ظهور أي قطة. لماذا ما الغريب في ظهور ابن عرس في المدينة؟ لم أجد تفسيرا لغرابة اعتقادي بظهور ابن عرس في المدينة إلا جدران المدنية المرسومة في رؤوسنا حول قداسة المدن البشرية وعزلتها عن العالم الخارجي أو بالأحرى مما يحيط بها من بيئة تضم جميع المخلوقات على وجه الكرة الأرضية وليست مقتصرة على الجنس البشري فحسب.
نعم، لو كان للمدينة جدران ببوابات وعليها حراس من بني البشر يسمحون لأي كائن بالدخول أو يمنعونه لكان حقا من الغريب رؤية ابن عرس في المدينة، حيث ستمنعه الكثير من البوابات من الدخول لأن بني البشر لم يعتادوا على وجوده بينهم سواء لأنه ليس حيوانا أليفا كالقط أو الكلب، أو أنه ليس حيوانا متسللا في مجاري المياه كالفئران والجرذان، ولا يمكنه الطيران وتجاوز حواجز بني البشر كالحمام والغربان.
إلا أن العيش في المدينة لفترة طويلة ترسم حقا تلك الجدران في مخيلتنا، وتجعل أي ساكن للمدينة يعتقد بوجود تلك الجدران حول المدينة التي تمنع دخول الدببة والنمور والأسود والذئاب والضباع إليها، كما تقصي الغابات والمستنقعات والجبال خارجا فتصبح أماكن للنزهة بعيدا عن المدينة وجدرانها.
يبقى السؤال معلقا، إن رأيت اليوم ابن عرس في الشارع ما الذي يمنع من أن أرى ذئبا أو دبا في الغد يقف أمام المتجر الذي اعتدت التسوق منه؟ هل هو خوف تلك المخلوقات من بني البشر ومدنيتهم فيرسمون لأنفسهم جدران يقفون عندها، أم لأسفهم على نمط الحياة في المدينة فيأبون الدخول إليها والعيش فيها كما يعيش الإنسان المسكين آسرا نفسه في جدران المدنية التي لا وجود لها إلا في خياله الضيق وأفقه المحدود؟
الجمعة، 21 أغسطس 2009
عيون النعام للسوريين؟
وصل إلى بريدي منذ عدة أيام أحد الرسائل الممررة (التي أكرهها) تتحدث عن مشروع في سورية يهدف إلى زرع قرنيات النعام للمكفوفين، بالإمكان الاطلاع على تفاصيل الموضوع على هذه الوصلة.
في الواقع لست متخصصا لا في الطب ولا في الطب البيطري لكن دفعني الفضول عن موضوع أسمع به للمرة الأولى للبحث في الأمر فأمضيت بضع ساعات متنقلا بين مواقع الإنترنت وإليكم ما تمخض عنه البحث، الذي هو عبارة عن نتائج شخصية قد تكون خاطئة.
تشير الكثير من المقالات عن النعام إلى احتمالات وجود تطبيقات لزرع قرنية النعام في الإنسان، لكن لم أجد أي بحث منشور علميا في مجلة معترف بها عن تفصيلات تجارب بشرية سابقة. وهذه بعض الوصلات التي ذكرت إمكانية إجراء مثل تلك العمليات على هذه الوصلة وهذه.
هذه المقالات لا تتعدى وصف هذه النتائج بكلمات مثل "إدعاءات" أو "احتمالية استخدام"
possible use, claims
لقرنيات النعام في عمليات نقل القرنية إلى الإنسان، ولم أجد أي ذكر لتفاصيل أي أبحاث جرت أو تجارب بشرية سابقة.
بحث آخر لفت انتباهي نشر باللغة الصينية في العام 2005 يتحدث عن رفض زرع قرنية النعام في الأرانب
الوصلة التالية توضح عنوان البحث باللغة الإنكليزية أما الملخص فهو باللغة الصينية على هذه الوصلة.
إن صياغة المقال الذي أشرت إليه في بداية رسالتي انتشر بشكل كبير في المنتديات ومواقع الإنترنت والذي لا تتجاوز صياغتها أكثر من مجرد صياغة إعلانية مليئة بالمشاعر الفياضة للدكتور ولمشروعه وللشركة المشرفة على المشروع بدعوى إنقاذ قرنيات أكثر من 50 ألف مواطن سوري، طبعا بغض النظر عن الديباجة التي في مقدمة المقالة عن سوء حال بنك القرنيات السوري الذي في الواقع يبيع القرنيات للمواطنين.
يبدو أن شركة أوبتيميد (التي أشير إليها في أكثر من مكان على أنها مؤسسة) هي شركة معدات طبية عينية مقرها في بريطانيا وهذا هو موقعها على شبكة الإنترنت، من خلال البحث ولم أجد أي منشور يتعلق بدراسات قامت بها الشركة أو أي أبحاث تمت بقيامها بأي عمليات زراعة قرنية للبشر من النعام.
بحسب معرفتي البسيطة، فإن الأبحاث التي تجرى لتطوير الأدوية الجديدة أو وسائل العلاج الجديدة تمر بالكثير من الوقت قبل أن تطبق على نطاق واسع على البشر (قد تمتد إلى حوالي 10 أعوام) تجري خلالها الكثير من التجارب على الحيوانات. ولكن أن تأتي شركة بريطانية بتمويل بحث لإجراء عمليات زرع لقرنية على الإنسان مباشرة في بلد أجنبي (والذي هو سوريا) بتمويل من الشركة دون أي سوابق لذلك النوع من العمليات سواء في بريطانيا أو في أي دولة أخرى يطرح الكثير من الشكوك حول الموضوع، في أن الشركة في الواقع تمول ذلك المشروع كجزء من ميزانيتها للأبحاث لإجراء عمليات الزرع على الإنسان في سوريا ربما لتساهل القوانين الطبية فيها، أو تساهل القائمين على سن القوانين الطبية لسبب ما أو لآخر قد يتراوح بين الجهل بما يجرى في العالم الخارجي إلى التعاطف مع حالات المرضى المتزايدة التي تحتاج لعمليات نقل القرنية.
تبقى تلك استنتاجات شخصية من شخص غير مختص، تحتمل الخطأ أو تحتمل الصواب ولكن يبقى عاتق تقديم التفسيرات على ما يجري على أرض الواقع من قبل القائمين على المشروع والمسؤولين عن القوانين الصحية في سوريا، قبل أن نرى بعض المواطنين السوريين ينظرون إلينا بعيون النعام، أو أن لا يبقى أثر على الإطلاق لأولئك المواطنين بعد وصول النعامات بعيونها البراقة.
في الواقع لست متخصصا لا في الطب ولا في الطب البيطري لكن دفعني الفضول عن موضوع أسمع به للمرة الأولى للبحث في الأمر فأمضيت بضع ساعات متنقلا بين مواقع الإنترنت وإليكم ما تمخض عنه البحث، الذي هو عبارة عن نتائج شخصية قد تكون خاطئة.
تشير الكثير من المقالات عن النعام إلى احتمالات وجود تطبيقات لزرع قرنية النعام في الإنسان، لكن لم أجد أي بحث منشور علميا في مجلة معترف بها عن تفصيلات تجارب بشرية سابقة. وهذه بعض الوصلات التي ذكرت إمكانية إجراء مثل تلك العمليات على هذه الوصلة وهذه.
هذه المقالات لا تتعدى وصف هذه النتائج بكلمات مثل "إدعاءات" أو "احتمالية استخدام"
possible use, claims
لقرنيات النعام في عمليات نقل القرنية إلى الإنسان، ولم أجد أي ذكر لتفاصيل أي أبحاث جرت أو تجارب بشرية سابقة.
بحث آخر لفت انتباهي نشر باللغة الصينية في العام 2005 يتحدث عن رفض زرع قرنية النعام في الأرانب
الوصلة التالية توضح عنوان البحث باللغة الإنكليزية أما الملخص فهو باللغة الصينية على هذه الوصلة.
إن صياغة المقال الذي أشرت إليه في بداية رسالتي انتشر بشكل كبير في المنتديات ومواقع الإنترنت والذي لا تتجاوز صياغتها أكثر من مجرد صياغة إعلانية مليئة بالمشاعر الفياضة للدكتور ولمشروعه وللشركة المشرفة على المشروع بدعوى إنقاذ قرنيات أكثر من 50 ألف مواطن سوري، طبعا بغض النظر عن الديباجة التي في مقدمة المقالة عن سوء حال بنك القرنيات السوري الذي في الواقع يبيع القرنيات للمواطنين.
يبدو أن شركة أوبتيميد (التي أشير إليها في أكثر من مكان على أنها مؤسسة) هي شركة معدات طبية عينية مقرها في بريطانيا وهذا هو موقعها على شبكة الإنترنت، من خلال البحث ولم أجد أي منشور يتعلق بدراسات قامت بها الشركة أو أي أبحاث تمت بقيامها بأي عمليات زراعة قرنية للبشر من النعام.
بحسب معرفتي البسيطة، فإن الأبحاث التي تجرى لتطوير الأدوية الجديدة أو وسائل العلاج الجديدة تمر بالكثير من الوقت قبل أن تطبق على نطاق واسع على البشر (قد تمتد إلى حوالي 10 أعوام) تجري خلالها الكثير من التجارب على الحيوانات. ولكن أن تأتي شركة بريطانية بتمويل بحث لإجراء عمليات زرع لقرنية على الإنسان مباشرة في بلد أجنبي (والذي هو سوريا) بتمويل من الشركة دون أي سوابق لذلك النوع من العمليات سواء في بريطانيا أو في أي دولة أخرى يطرح الكثير من الشكوك حول الموضوع، في أن الشركة في الواقع تمول ذلك المشروع كجزء من ميزانيتها للأبحاث لإجراء عمليات الزرع على الإنسان في سوريا ربما لتساهل القوانين الطبية فيها، أو تساهل القائمين على سن القوانين الطبية لسبب ما أو لآخر قد يتراوح بين الجهل بما يجرى في العالم الخارجي إلى التعاطف مع حالات المرضى المتزايدة التي تحتاج لعمليات نقل القرنية.
تبقى تلك استنتاجات شخصية من شخص غير مختص، تحتمل الخطأ أو تحتمل الصواب ولكن يبقى عاتق تقديم التفسيرات على ما يجري على أرض الواقع من قبل القائمين على المشروع والمسؤولين عن القوانين الصحية في سوريا، قبل أن نرى بعض المواطنين السوريين ينظرون إلينا بعيون النعام، أو أن لا يبقى أثر على الإطلاق لأولئك المواطنين بعد وصول النعامات بعيونها البراقة.
انتبه، نافذة المجتمع مفتوحة
"نافذة المجتمع"، هل سمع أحد بهذه الكلمة من قبل؟ ربما قد يكون سمع البعض بالتعبير بالعامية "دكانتك مفتوحة"، أو بالإنكليزية XYZ كاختصار لجملة (eXamine Your Zipper). نعم أنا أتحدث عن الحالة التي قد حدثت للكثير منا وقد تكون معرض لها وأنت تقرأ هذه الكلمات بأن تكون فتحة سروالك الأمامي مفتوحة.
لكن لماذا "نافذة المجتمع"؟ كلمة "نافذة المجتمع" هي ترجمة للمصطلح العامي "دكانتك مفتوحة" من اللغة اليابانية بالشكل (社会の窓) والتي تلفظ "شاكاي نو مادو"، عندما سمعت بهذا المصطلح للمرة الأولى قبل أكثر من ست سنوات أضحكني كثيرا لفكاهته وروح الدعابة فيه.
عندما سمعت ذلك التعبير للمرة الأولى أول ما خطر على بالي مثلما قد يخطر على بال أي شاب في ذلك العمر تفسير لا ثاني له لأصل ذلك المصطلح وهو أن فتحة البنطال هي نافذة المنطقة من جسم الإنسان التي تؤدي إلى الإنجاب وبالتالي زيادة عدد أفراد المجتمع. عذرا للتصوير الذي قد يكون مسيئا ولكن سماع وصف "نافذة المجتمع" لفتحة البنطال تحديدا سيؤدي بشكل طبيعي إلى ذلك النوع من التفكير عند شاب في أول عشرينات عمره.
انطوت الأيام ولم أنس ذلك المصطلح من بالي، استخدمته أكثر من مرة كنوع من المزاح عند مشاهدة فتحات سراويل بعض أصدقائي مفتوحة، كما وجهه لي الكثيرين أكثر من مرة وانتهى الأمر عادة بضحكة عالية، إلا أن المصطلح كان ما يزال غامض الأصل بالنسبة لي، لم يستخدم هذا المصطلح إن كان فعلا ذلك المعنى منسوبا له من قبل الرجال والنساء على حد سواء دون خجل؟
اليوم قررت كشف سر هذا المصطلح، بحثت عنه في السيد غوغل العزيز فجائني بالخبر اليقين. لم يكن أصل مصطلح "نافذة المجتمع" هو المعنى الصبياني الذي بقيت أتصوره لتلك السنوات الطوال من حياتي، بل أصل المصطلح كان عبارة ذكرتها ممثلة في أحد المسلسلات الإذاعية الذي كان يطلق عليه "نافذة المجتمع" فيما سبق. قصة المسلسل كانت تشبه إلى حد كبير مسلسل "حكم العدالة" الإذاعي المعروف من قبل الكبير والصغير في سورية، لكن مع اختلاف بسيط أن ذلك المسلسل كان موجه لكشف حالات الرشوة والمحسوبية عند موظفي الدولة الكبار بالإضافة إلى كشف حالات الفساد في الأنظمة الإدارية. في أحد تلك الحلقات، كان يجري حديث بين أحد المتورطين ومحققة، عندما أشارت إلى فتحة بنطال المتورط وأخبرته "انتبه، نافذة المجتمع مفتوحة". تلك كانت إشارة إلى أن فتحة البنطال تغطي أشياء لا يريد الإنسان إظهارها ولكن وفي لحظة غفلة تكون تلك الفتحة معرضة لأنظار الجميع فتكشف جميع أسراره، وعليه فانطلق وصف "نافذة المجتمع" على فتحة البنطال مثلاً، أي أنه مهما حاول الإنسان تغطية أموره الخاصة سواء السيئة منها أم الجيدة فقد يأتي وقت يغفل فيه وتفتح النافذة أمام أعين الجميع لمشاهدة أفعاله وتصرفاته على حقيقتها.
نعم، هذه هي نافذة المجتمع.... هي نافذة لدى كل منا خاصة من كان في موقع المسؤولية، فلينتبه كل منا على نافذته فأعين المجتمع دائما موجهة لها، ولن يسر المجتمع على الإطلاق رؤية ما في داخل تلك النوافذ إن لم يكن نحن مسرورون بما في داخلها أصلاً.
لكن لماذا "نافذة المجتمع"؟ كلمة "نافذة المجتمع" هي ترجمة للمصطلح العامي "دكانتك مفتوحة" من اللغة اليابانية بالشكل (社会の窓) والتي تلفظ "شاكاي نو مادو"، عندما سمعت بهذا المصطلح للمرة الأولى قبل أكثر من ست سنوات أضحكني كثيرا لفكاهته وروح الدعابة فيه.
عندما سمعت ذلك التعبير للمرة الأولى أول ما خطر على بالي مثلما قد يخطر على بال أي شاب في ذلك العمر تفسير لا ثاني له لأصل ذلك المصطلح وهو أن فتحة البنطال هي نافذة المنطقة من جسم الإنسان التي تؤدي إلى الإنجاب وبالتالي زيادة عدد أفراد المجتمع. عذرا للتصوير الذي قد يكون مسيئا ولكن سماع وصف "نافذة المجتمع" لفتحة البنطال تحديدا سيؤدي بشكل طبيعي إلى ذلك النوع من التفكير عند شاب في أول عشرينات عمره.
انطوت الأيام ولم أنس ذلك المصطلح من بالي، استخدمته أكثر من مرة كنوع من المزاح عند مشاهدة فتحات سراويل بعض أصدقائي مفتوحة، كما وجهه لي الكثيرين أكثر من مرة وانتهى الأمر عادة بضحكة عالية، إلا أن المصطلح كان ما يزال غامض الأصل بالنسبة لي، لم يستخدم هذا المصطلح إن كان فعلا ذلك المعنى منسوبا له من قبل الرجال والنساء على حد سواء دون خجل؟
اليوم قررت كشف سر هذا المصطلح، بحثت عنه في السيد غوغل العزيز فجائني بالخبر اليقين. لم يكن أصل مصطلح "نافذة المجتمع" هو المعنى الصبياني الذي بقيت أتصوره لتلك السنوات الطوال من حياتي، بل أصل المصطلح كان عبارة ذكرتها ممثلة في أحد المسلسلات الإذاعية الذي كان يطلق عليه "نافذة المجتمع" فيما سبق. قصة المسلسل كانت تشبه إلى حد كبير مسلسل "حكم العدالة" الإذاعي المعروف من قبل الكبير والصغير في سورية، لكن مع اختلاف بسيط أن ذلك المسلسل كان موجه لكشف حالات الرشوة والمحسوبية عند موظفي الدولة الكبار بالإضافة إلى كشف حالات الفساد في الأنظمة الإدارية. في أحد تلك الحلقات، كان يجري حديث بين أحد المتورطين ومحققة، عندما أشارت إلى فتحة بنطال المتورط وأخبرته "انتبه، نافذة المجتمع مفتوحة". تلك كانت إشارة إلى أن فتحة البنطال تغطي أشياء لا يريد الإنسان إظهارها ولكن وفي لحظة غفلة تكون تلك الفتحة معرضة لأنظار الجميع فتكشف جميع أسراره، وعليه فانطلق وصف "نافذة المجتمع" على فتحة البنطال مثلاً، أي أنه مهما حاول الإنسان تغطية أموره الخاصة سواء السيئة منها أم الجيدة فقد يأتي وقت يغفل فيه وتفتح النافذة أمام أعين الجميع لمشاهدة أفعاله وتصرفاته على حقيقتها.
نعم، هذه هي نافذة المجتمع.... هي نافذة لدى كل منا خاصة من كان في موقع المسؤولية، فلينتبه كل منا على نافذته فأعين المجتمع دائما موجهة لها، ولن يسر المجتمع على الإطلاق رؤية ما في داخل تلك النوافذ إن لم يكن نحن مسرورون بما في داخلها أصلاً.
الخميس، 20 أغسطس 2009
عندما تصبح اللباقة أحد أشكال التمييز الاجتماعي
من أحد آداب وسائل النقل التي كنت قد تربيت عليها صغيرا هي منح المقعد الذي أجلس فيه إلى أي شخص مسن أو امرأة. في وسائل نقل الدول المتقدمة تلاحظ الكثير من اللافتات في وسائل النقل تحث الركاب على منح المقاعد لجلوس المرضى، وكبار السن أو الحوامل أو المعوقين حركيا. أذكر مرة أني كنت قد أنهيت عملية تبرع بالدم وتوجهت لركوب مترو الأنفاق، وكنت في حال يرثى لها يبدو أنها انعكست على وجهي بشكل أو بآخر مما اضطر أحد الركاب إلى الانتباه لحالتي وإجلاسي في مكانه. كانت من حالات اللطف التي لن أنساها وبريق القلق ينبع من عينيه على لون وجهي المتعب.
على العموم ليس هذا موضوعنا اليوم، السؤال المطروح هو هل ينبغي منح الفرصة للجلوس للأشخاص الآخرين فقط بالنظر إلى أنهم كبار السن أو معاقين أو حوامل؟ من يدرس نفسية الشخص المعاق، يدرك بسهولة أن أكثر شيء يكرهه الشخص المعاق في هذه الحياة ليس هو إعاقته بحد ذاتها، بل كل ما يذكره بإعاقته. يكون المعاقون لفترات طويلة معتادون على نمط معين للحياة يقترب بشكل كبير من نمط الحياة اليومية للأشخاص العاديين سواء من ناحية توازن الأعضاء أو البصر ... الخ. عند عرض فرصة الجلوس من شخص سليم لشخص معاق دون أي طلب من الشخص المعاق أو ظهور احتمالية لوقوعه أثناء تحرك عربة النقل، فإن ذلك قد يشعر الشخص المعاق بشعور قد يجرحه وذلك لتمييزه عن الآخرين فقط بسبب إعاقته وإشعاره بأن إعاقته تمنحه مزايا أو على الأقل تميزه عن الآخرين في حين قد يود أن يعامل بشكل متساوي مثل جميع الركاب الآخرين.
ينطبق الشيء ذاته على منح فرصة الجلوس للأشخاص المسنين، فليس كل شخص مسن يعني أنه قد فقد القدرة على التوازن أو التحكم بجسمه، فعند عرض فرصة الجلوس له قد يؤدي إلى شعوره بكبر السن والتأثير على نفسيته وقد يبدأ بالتفكير بأن الناس من حوله يعتقدون أن نهايته قد اقتربت لذلك يمنحونه العطف.
في العرف العام، ينظر المجتمع إلى من يمنح كرسيه في وسائل النقل للأشخاص الآخرين على أنه شخص لبق ويحترم الآخرين، بينما في الوقت ذاته قد يكون ذلك الفعل قد أثر على نفسة من منح له الكرسي على أنه معاق اجتماعيا وذلك من أبسط أشكال التمييز الاجتماعي.
الآن نعود إلى بداية الحديث، إذا ما افترضنا أن المعاقين أو المسنين فعلا قد يحتاجون للجلوس، ما المعنى من وراء إعطاء الأماكن للجلوس للنساء في بعض الدول العربية أو الإسلامية؟ هل كل النساء حوامل؟ طبعا لا. نعم قد يكون نوع من أنواع اللباقة الاجتماعية، ولكن قد يشعر بعض النساء بأن تلك الكراسي تمنح لهم من قبل المجتمع (حتى وإن لم يصرح بذلك) كدليل على نقص فيهم أو كبرهان على ضعف مما يشعرهم بالتمييز الاجتماعي.
أنا قطعا لست ضد اللباقة ومنح الكراسي للآخرين الذين يبدو عليهم الحاجة فعلا للجلوس، لكني باختصار ضد إبراز الذات كشخص لبق مقابل منح فرصة الجلوس للآخرين أو للنساء في الأماكن العامة والتي قد تشعر البعض بنوع من التمييز الاجتماعي سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر.
على العموم ليس هذا موضوعنا اليوم، السؤال المطروح هو هل ينبغي منح الفرصة للجلوس للأشخاص الآخرين فقط بالنظر إلى أنهم كبار السن أو معاقين أو حوامل؟ من يدرس نفسية الشخص المعاق، يدرك بسهولة أن أكثر شيء يكرهه الشخص المعاق في هذه الحياة ليس هو إعاقته بحد ذاتها، بل كل ما يذكره بإعاقته. يكون المعاقون لفترات طويلة معتادون على نمط معين للحياة يقترب بشكل كبير من نمط الحياة اليومية للأشخاص العاديين سواء من ناحية توازن الأعضاء أو البصر ... الخ. عند عرض فرصة الجلوس من شخص سليم لشخص معاق دون أي طلب من الشخص المعاق أو ظهور احتمالية لوقوعه أثناء تحرك عربة النقل، فإن ذلك قد يشعر الشخص المعاق بشعور قد يجرحه وذلك لتمييزه عن الآخرين فقط بسبب إعاقته وإشعاره بأن إعاقته تمنحه مزايا أو على الأقل تميزه عن الآخرين في حين قد يود أن يعامل بشكل متساوي مثل جميع الركاب الآخرين.
ينطبق الشيء ذاته على منح فرصة الجلوس للأشخاص المسنين، فليس كل شخص مسن يعني أنه قد فقد القدرة على التوازن أو التحكم بجسمه، فعند عرض فرصة الجلوس له قد يؤدي إلى شعوره بكبر السن والتأثير على نفسيته وقد يبدأ بالتفكير بأن الناس من حوله يعتقدون أن نهايته قد اقتربت لذلك يمنحونه العطف.
في العرف العام، ينظر المجتمع إلى من يمنح كرسيه في وسائل النقل للأشخاص الآخرين على أنه شخص لبق ويحترم الآخرين، بينما في الوقت ذاته قد يكون ذلك الفعل قد أثر على نفسة من منح له الكرسي على أنه معاق اجتماعيا وذلك من أبسط أشكال التمييز الاجتماعي.
الآن نعود إلى بداية الحديث، إذا ما افترضنا أن المعاقين أو المسنين فعلا قد يحتاجون للجلوس، ما المعنى من وراء إعطاء الأماكن للجلوس للنساء في بعض الدول العربية أو الإسلامية؟ هل كل النساء حوامل؟ طبعا لا. نعم قد يكون نوع من أنواع اللباقة الاجتماعية، ولكن قد يشعر بعض النساء بأن تلك الكراسي تمنح لهم من قبل المجتمع (حتى وإن لم يصرح بذلك) كدليل على نقص فيهم أو كبرهان على ضعف مما يشعرهم بالتمييز الاجتماعي.
أنا قطعا لست ضد اللباقة ومنح الكراسي للآخرين الذين يبدو عليهم الحاجة فعلا للجلوس، لكني باختصار ضد إبراز الذات كشخص لبق مقابل منح فرصة الجلوس للآخرين أو للنساء في الأماكن العامة والتي قد تشعر البعض بنوع من التمييز الاجتماعي سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر.
الخميس، 13 أغسطس 2009
الخطيئة والثقة
لا العنوان ليس بخاطئ، لم أقرأ (ولا أظن أني سأقرأ قريبا) رواية الجريمة والعقاب. كان ما فكرت به اليوم، بعد أن شاهدت برنامج عن النشل في المتاجر الكبيرة، اعتقدت لوهلة أن هذا العمل أشنع من القتل! اعتقاد مفاجئ وغريب؟ نعم هو كذلك. ربما يكون تفكيري خاطئا لكن في معظم حوادث القتل يرتكب القاتل الجريمة بدافع ما سواء الكره أو السرقة أو الانتقام ... الخ. أما في حوادث النشل (لا أتكلم هنا إطلاقا عن السرقة) فيقوم الفاعل بفعلته تجاه الضحية والذي هو صاحب المتجر فقط لأن صاحب المتجر قد أعطى الثقة للفاعل بالدخول إلى متجره والتجول به بحرية.
نعم في السنوات الأخيرة، تضع معظم المتاجر الكبيرة كاميرات للمراقبة في أماكن ظاهرة للعيان كدليل على عدم منح الثقة المطلقة للزبائن، بل إعلامهم بأن تصرفاتهم تخضع للمراقبة وقد تكشف في أي لحظة. لكن تبقى هذه الأساليب قابلة للخداع بشكل أو بآخر ضمن هامش الثقة المتبقي والذي لا تحصره تلك الوسائل.
فكرت قليلاً، هل النشل فقط هو الخطيئة الوحيدة التي تسببها الثقة؟
فكان الجواب بلا. الخيانة الزوجية هي أحد الأمثلة الأخرى على علاقة الثقة بالخطيئة. حيث يقوم أحد طرفي الزوجية بخرق ثقة الطرف الآخر به على عدم وجود شريك آخر في الظلام بالقيام بعلاقة جانبية مع طرف ثالث. هذا النوع من علاقة الخطيئة بالثقة أصعب بالتحكم من المثال السابق عن النشل وذلك لأن مجرد وضع مثل كاميرات المراقبة التي توضع في المتاجر الكبرى في العلاقة الزوجية سواء عن طريق التنصت على الاتصالات أو مراقبة الرسائل الواردة على الهاتف، أو تتبع تحركات الشريك فيعتبر بحد ذاته خرق لثقة الشريك الأول.
الغش في المأكولات والأوزان من قبل البائعين، الغش في الامتحانات من قبل الطلاب وغيرها هي أيضا أمثلة عن علاقة الخطيئة بالثقة الممنوحة للفاعل.
لكن... وعلى الرغم مما بينت في الأعلى من أن الخطيئة تأتي كثمن للثقة الممنوحة للفاعل، فلم يعتبر المجتمع أن هذا النوع من الخطايا هو من الأنواع الممكن التجاوز عنها دون عقاب رادع قاس كما في حالات النشل أو الخيانة الزوجية أو الغش، حيث لا تتجاوز التعويضات في معظم المجتمعات ذات القوانين الوضعية التعويضات المالية ولا ترتقي إلى العقاب الجسدي (ذلك باستثناء بعض الدول القائمة على القوانين الدينية الصارمة). أظن أن ذلك بسبب أن الخطيئة بحد ذاتها جاءت بسبب الثقة الممنوحة. أي أن الخطأ في الأصل هو خطأ من منح الثقة للفاعل دون معرفته المعرفة الكافية، طبعا هذا لا ينفي أن الفاعل لديه الدافع لعمل الفعل لكن دون تلك الثقة الممنوحة له لم يكن ليتجرأ على القيام به، ولذا فإن عقابه يكون قاصرا على عقاب يتناسب مع نواياه السيئة وليس مع الفعل الذي قام به، إذ لا يمكن أن نعاقب من ينشل قطعة خبز من مخبز بذات عقاب من يقوم بالسطو المسلح على بنك. فالأول قام بذلك نتيجة عدم وجود حماية على قطعة الخبز تلك، بينما في الحالة الثانية فالفعل تم بالإجبار.
أما الفاعل لفعل الخطيئة مقابل الثقة فهو في أغلب الحالات يكون على علم بعمله، لكن دوافع مثل الفقر أو الحب، أو الجوع (والتي هي في الغالب من الغرائز الأساسية الإنسانية الأولى) تكون الدافع الأكبر لخرقه الثقة (والتي هي من الفضائل الإنسانية التي تأتي في ترتيب يلي الغرائز) والقيام بالفعل.
نعم في السنوات الأخيرة، تضع معظم المتاجر الكبيرة كاميرات للمراقبة في أماكن ظاهرة للعيان كدليل على عدم منح الثقة المطلقة للزبائن، بل إعلامهم بأن تصرفاتهم تخضع للمراقبة وقد تكشف في أي لحظة. لكن تبقى هذه الأساليب قابلة للخداع بشكل أو بآخر ضمن هامش الثقة المتبقي والذي لا تحصره تلك الوسائل.
فكرت قليلاً، هل النشل فقط هو الخطيئة الوحيدة التي تسببها الثقة؟
فكان الجواب بلا. الخيانة الزوجية هي أحد الأمثلة الأخرى على علاقة الثقة بالخطيئة. حيث يقوم أحد طرفي الزوجية بخرق ثقة الطرف الآخر به على عدم وجود شريك آخر في الظلام بالقيام بعلاقة جانبية مع طرف ثالث. هذا النوع من علاقة الخطيئة بالثقة أصعب بالتحكم من المثال السابق عن النشل وذلك لأن مجرد وضع مثل كاميرات المراقبة التي توضع في المتاجر الكبرى في العلاقة الزوجية سواء عن طريق التنصت على الاتصالات أو مراقبة الرسائل الواردة على الهاتف، أو تتبع تحركات الشريك فيعتبر بحد ذاته خرق لثقة الشريك الأول.
الغش في المأكولات والأوزان من قبل البائعين، الغش في الامتحانات من قبل الطلاب وغيرها هي أيضا أمثلة عن علاقة الخطيئة بالثقة الممنوحة للفاعل.
لكن... وعلى الرغم مما بينت في الأعلى من أن الخطيئة تأتي كثمن للثقة الممنوحة للفاعل، فلم يعتبر المجتمع أن هذا النوع من الخطايا هو من الأنواع الممكن التجاوز عنها دون عقاب رادع قاس كما في حالات النشل أو الخيانة الزوجية أو الغش، حيث لا تتجاوز التعويضات في معظم المجتمعات ذات القوانين الوضعية التعويضات المالية ولا ترتقي إلى العقاب الجسدي (ذلك باستثناء بعض الدول القائمة على القوانين الدينية الصارمة). أظن أن ذلك بسبب أن الخطيئة بحد ذاتها جاءت بسبب الثقة الممنوحة. أي أن الخطأ في الأصل هو خطأ من منح الثقة للفاعل دون معرفته المعرفة الكافية، طبعا هذا لا ينفي أن الفاعل لديه الدافع لعمل الفعل لكن دون تلك الثقة الممنوحة له لم يكن ليتجرأ على القيام به، ولذا فإن عقابه يكون قاصرا على عقاب يتناسب مع نواياه السيئة وليس مع الفعل الذي قام به، إذ لا يمكن أن نعاقب من ينشل قطعة خبز من مخبز بذات عقاب من يقوم بالسطو المسلح على بنك. فالأول قام بذلك نتيجة عدم وجود حماية على قطعة الخبز تلك، بينما في الحالة الثانية فالفعل تم بالإجبار.
أما الفاعل لفعل الخطيئة مقابل الثقة فهو في أغلب الحالات يكون على علم بعمله، لكن دوافع مثل الفقر أو الحب، أو الجوع (والتي هي في الغالب من الغرائز الأساسية الإنسانية الأولى) تكون الدافع الأكبر لخرقه الثقة (والتي هي من الفضائل الإنسانية التي تأتي في ترتيب يلي الغرائز) والقيام بالفعل.
الخميس، 23 يوليو 2009
كلام الناس
عندما تطرق هذه الكلمة مسمعي تقفز إلى مخيلتي أغنية جورج وسوف (الذي لا أحبه كثيرا) "كلام الناس، لا بقدم ولا بأخر".
من الأرجح إن لم يكن أنه من المؤكد أن نسبة 100% من كلام الناس هو كلام نقدي، أي تسبغ عليه الصفة الهدامة المؤثرة في بناء شخصية الإنسان، فهي بمثابة كابح للرغبات النفسية وذلك لأخذ مصالح الآخرين بعين الاعتبار.
يبدأ كلام الناس من لحظة الولادة الأولى لوصف المولود، والتعليق على اسمه ووزنه ولون عينيه وشعره، ولا ينتهي حتى إلى ما بعد الممات لمراجعة أسلوب حياة الشخص وأخطاءه وثغرات شخصيته.
كلام الناس هو واقع لا مفر منه ولا مهرب، فلن يستطيع أحد كم أفواه الآخرين سواء كانوا يتكلمون بحسن نية أم بسوءها، إلا أن الفصل هو الخضوع لذلك الكلام أم لا.
الطفل لا حيلة له إلا الطوع والخضوع في معظم الحالات، لأن كلام الناس في تلك المرحلة بالنسبة له هي وسيلة من وسائل التربية الاجتماعية على ما اعتاد الآخرون من حوله فعله لكبح جماح رغباته الشخصية. وهنا يكمن الحل.
الحد الفاصل بين أن تصغي لكلام الناس وأن تسمعه وتفعل منه ما يعجبك هو الحد الفاصل ذاته بين كونك طفلا وكونك بالغا. فأن تبقى رهن كلام الناس للأبد هو بمثابة بقاءك مثل الطفل المنصت للآخرين والمنفذ لأوامرهم دونما اعتراض أو تفكير خشية من سوء السمعة، أما من يترفع بأذنه وعقله عن كلام الناس فهو من نضجت شخصيته للتمييز بين ما يريد هو فعله ويظهر ذاته وبين ما يمليه عليه الآخرين، أي الخط الفاصل بين أن يكون سامعا لكلام الناس، أو أن يكون شخصا من الأشخاص الذين يقولون كلام الناس.
من الأرجح إن لم يكن أنه من المؤكد أن نسبة 100% من كلام الناس هو كلام نقدي، أي تسبغ عليه الصفة الهدامة المؤثرة في بناء شخصية الإنسان، فهي بمثابة كابح للرغبات النفسية وذلك لأخذ مصالح الآخرين بعين الاعتبار.
يبدأ كلام الناس من لحظة الولادة الأولى لوصف المولود، والتعليق على اسمه ووزنه ولون عينيه وشعره، ولا ينتهي حتى إلى ما بعد الممات لمراجعة أسلوب حياة الشخص وأخطاءه وثغرات شخصيته.
كلام الناس هو واقع لا مفر منه ولا مهرب، فلن يستطيع أحد كم أفواه الآخرين سواء كانوا يتكلمون بحسن نية أم بسوءها، إلا أن الفصل هو الخضوع لذلك الكلام أم لا.
الطفل لا حيلة له إلا الطوع والخضوع في معظم الحالات، لأن كلام الناس في تلك المرحلة بالنسبة له هي وسيلة من وسائل التربية الاجتماعية على ما اعتاد الآخرون من حوله فعله لكبح جماح رغباته الشخصية. وهنا يكمن الحل.
الحد الفاصل بين أن تصغي لكلام الناس وأن تسمعه وتفعل منه ما يعجبك هو الحد الفاصل ذاته بين كونك طفلا وكونك بالغا. فأن تبقى رهن كلام الناس للأبد هو بمثابة بقاءك مثل الطفل المنصت للآخرين والمنفذ لأوامرهم دونما اعتراض أو تفكير خشية من سوء السمعة، أما من يترفع بأذنه وعقله عن كلام الناس فهو من نضجت شخصيته للتمييز بين ما يريد هو فعله ويظهر ذاته وبين ما يمليه عليه الآخرين، أي الخط الفاصل بين أن يكون سامعا لكلام الناس، أو أن يكون شخصا من الأشخاص الذين يقولون كلام الناس.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
