كتبت تدوينتي السابقة ولم يكن في حسباني شيء إلا تسليط الضوء على رأيي في وجود نوع من الطبقية الاجتماعية في طيات نظام التعليم الموازي الذي كما أسلفت لم أعاصره وقد تبقى وجهة نظري قاصرة عن بعض جوانبه سواء تلك السلبية أم الإيجابية.
إلا أن تعليقات القراء مشكورين سلطت الأضواء على جوانب غفلت عن ذهني أثناء كتابة الموضوع، وأكثر ما شدني هو عبارة "ماهي خيارات الطالب ميسور الحال، قبل التعليم الموازي؟" من uramium وعبارة "لم أفهم لم عليه ان لا يذهب للتعليم الموازي؟" من أمنية.
قد يتقبل المجتمع السوري اليوم نظام التعليم الموازي على أنه حل للطالب من أبناء الطبقة الميسورة وذلك عوضا عن سفره للدراسة في الخارج وبالتالي وجود احتمال كبير لخسارته من البلد أو تعرضه للمتاعب في الغربة أثناء دراسته؟ أتساءل هل هذا حقا هو السبب الحقيقي وراء نظام التعليم الموازي، "توطين الطلبة؟" بمراجعة صفحة إحصاءات المغتربين في موقع وزارة المغتربين نجد أن عدد المغتربين السوريين حاليا هو 981000 مغترب، أي ما يشكل حوالي 5 % من عدد السكان وهي نسبة أكبر بكثير من عدد جميع من يتقدم لامتحانات الثانوية العامة لعدة أعوام مجتمعة، ثم هل يهمنا حقاً بقاء الشباب في سورية؟ إذا ما الذي يفسر وجود أكبر نسبة من المغتربين من الطبقة العمرية في العشرينات والثلاثينات من العمر؟ طبعا كلنا يعلم السبب.
على العموم موضوع الاغتراب خارج عن نطاق هذه التدوينة. السؤال المطروح هو "هل نحن بحاجة للتعليم الموازي؟" البعض والكثير منهم من الطلبة قد يجاوب "نعم" وهي وجهة نظر أحترمها، لكن أتساءل "لماذا؟" سيكون الجواب بطبيعة الحال "لأحصل على مقعد في كلية أفضل؟" وهنا يبدأ موضوعي الجديد، "ما الذي يحدد الكلية الأفضل من الكلية الأسوأ؟"
ما يحدد "الكلية الأفضل" و "الكلية الأسوأ" في وجهة نظر المجتمع السوري هو ترتيب الكليات حسب مجموع المرحلة الثانوية في ورقة "المفاضلة العامة". كما تعلمون منذ عقود تتربع الكليات الذهبية وهي كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة على عرش تلك القائمة يليها كلية الهندسة المعلوماتية وهذه الكليات الأربع يعدها الكثير الهدف الأسمى لأي طالب في المرحلة الثانوية، تمتد القائمة لتأتي الكليات الفضية والتي تتضمن الهندسات بفروعها بدءا بالهندسة المدنية ونزولا حتى الهندسة الزراعية، تليها كليات المرتبة الثالثة التي تتضمن الحقوق والآداب والاقتصاد و .. و .. و تطول القائمة لتبدأ المعاهد المتوسطة ... حتى آخر القائمة.
لن أخدع نفسي أو أخدع الآخرين بالقول أني كنت خارج إطار المجتمع السوري عند اختيار الفرع الذي أمضيت فيه فترة دراستي الجامعية الأولى، وأني سجلت رغباتي في المفاضلة وفقا للترتيب في الأعلى، لكن والآن وبعد تمرس في المجتمع ورؤية الأنظمة التعليمية في الدول الأخرى بدأ يتضح لي سوء نظام المفاضلة العامة ذلك.
في الاعتقاد العام السائد في المجتمع السوري أن ذلك الترتيب هو ترتيب يتعلق بالمدخول المادي للخريج واحتمال تأمين فرصة عمل مستقبلية بعد التخرج، لذلك تكون المهن الصحية والتقنية في أعلى القائمة بينما تكون المهن الخدمية في منتصفها وأسفلها. طبعا هذا الاعتقاد قد يكون صحيحا في الجزء الأكبر منه خاصة إن أخذنا في عين الاعتبار الوضع العام السائد في سورية، إلا أنه ليس بالمطلق.
شخصيا أعتبر أن المبدع في أي مجال يستطيع أن يفيد المجتمع وأن يحقق دخلا أكثر من أي طبيب أو صيدلي أو مهندس، سواء كان ذلك المبدع أستاذا أو محاميا، أو رساما أو عازف قانون أو محاسبا أو نجار باتون ... الخ. قد يقول لي أحدهم، "اصح يا أخي، أنت لست في مدينة أفلاطون الفاضلة؟" ولكن هل تضمن أيها السائل العزيز أن كل الأطباء الخريجين من كلية الطب سيكونون في خدمة المجتمع وأن دخولهم ستكون من أعلى الدخول و أن لا يكون أحدهم مثل هذا الطبيب؟ من فرض أن يكون الأطباء هم من الطلاب الأكثر نشاطا دراسيا (وذلك بسبب طلب المجموع العالي لعلامات الثانوية) عن غيرهم؟ من هم أكثر من يخلد التاريخ أسمائهم، هل هم الأطباء والصيادلة والمهندسين، أم علماء الرياضيات والفنانين والأدباء؟
شخصيا لا أدعو إلى إلغاء نظام المفاضلة العامة، لأنه وللأسف أفضل الحلول الموجودة في الوضع الحالي، إلا أني أدعو المجتمع إلى تغيير وجهة نظره حول أهمية كل اختصاص جامعي وعدم الانخداع بهالة الكذبة الكبيرة لترتيب الكليات في ورقة المفاضلة العامة، بل أن يتبع الطالب ميوله واهتماماته قبل التفكير بأي أحلام وردية عن مستقبل بصدرية بيضاء، وجيوب ممتلئة بأوراق خضراء اللون سحبها من جيوب المساكين، أو قبل أن يحلم بمستقبل تلمع فيه مسطرة رسم هندسي التي سيسطر بها بناء سيتداعى على رؤوس سكانه قبل أن يأتي الزلزال الموعود.
الخميس، 27 أغسطس 2009
الأربعاء، 26 أغسطس 2009
التعليم الموازي خدمة للطلاب أم طبقية اجتماعية؟
وصلني يوم أمس هاتف من أحد أقربائي يستشيرني في مفاضلة ابنه الذي أتم مرحلة دراسته الثانوية، ويستعد لدخول الجامعة. يبدو أن مجموعه يؤهله دخول أحد الكليات التي يطلق عليها المجتمع للأسف اسم "الكليات المحترمة" (والتي يتصور الكثير أنها تنتهي مع انتهاء كلمة الهندسة في لائحة الكليات في ورقة المفاضلة العامة)، إلا أنه يطمع إلى دخول أحد "الكليات الذهبية" الأربع في مقدمة المفاضلة وإن كلفه الأمر دفع رسوم التعليم الموازي. لم تكن مسميات مثل التعليم الموازي والتعليم المفتوح والجامعات الخاصة وغيرها موجودة على أيامي، إلا أن اطلاعي على الموضوع ربما كان كافيا لنصحه من حيث رأيي الشخصي بعدم التوجه إلى التعليم الموازي.
بعد بحث قصير تبين أن التعليم الموازي هو نظام وضعته وزارة التعليم العالي منذ العام الدراسي 2002/2003 والذي كان قد طبق في بعض الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية حيث يدرس الطلاب التابعين جنبا إلى جنب مع الطلاب المقبولين بالمفاضلة العامة ولكن برسوم أعلى (تصل إلى عشرات الأضعاف حسب علمي) مقابل التسامح في بعض العلامات من مجموع الثانوية العامة.
من وجهة نظر وزارة التعليم العالي فهو "بزنس" كبير يدر الذهب، حيث يتم حجز نسبة (أخالها تصل إلى 15 - 20 %) من عدد مقاعد كل قسم لطلاب التعليم الموازي وإدخالهم برسوم عالية دون أن يتطلب منها ذلك أي زيادة في البنية التحتية للكليات (حيث أن عدد الاستيعاب لا يزيد عموما) بل يكون على حساب نسبة الطلاب الذين لا يستطيعون دفع رسوم التعليم الموازي والذين تكون علاماتهم على الأرجح مساوية لعلامات من حصل على مقاعد التعليم الموازي في تلك الكلية، وعلى حساب أعضاء الهيئة التدريسية الذين سيتلقون طلاب ذوي درجة تحصيل أدنى من المعدل الذي كان موجود سابقا مما يحملهم بأعباء نسبية (ربما تكون غير ملحوظة وغير مقاسة كميا) ولكن بالمقابل رفع المدخول لأعضاء الهيئة التدريسية قد يؤدي إلى سد تلك الفجوة. أما من وجهة نظر فلسفة التعليم، فإن نظام كهذا سيكون محققا لأهداف وزارة التعليم العالي في تحقيق العدل في التعليم للجميع وذلك بمساعدة الطلاب الذين تنقصهم بعض العلامات بسبب أو بآخر وذلك قد لا يعكس مستواهم الدراسي الحقيقي على دخول الكلية التي يرغبون بها، إلا أن ذلك سيكون تحقيقه بشكل واقعي أكبر إن تم توسيع عدد المقاعد الدراسية للكليات لهؤلاء الفئة من الطلاب وليس حجز نسبة من المقاعد الحالية على حساب طلاب المفاضلة العامة.
من وجهة نظر الطالب فلدينا ثلاث حالات (حالات عامة قد لا تنطبق على الجميع) :
* طالب مسجل بالكلية دون تعليم موازي، سينتابه الشعور بالفوقية على طلاب التعليم الموازي وذلك لاعتبار نفسه (لا شعوريا) بأنه متفوق دراسيا عليهم وأنهم دخلوا الكلية بسبب النقود
* طالب مسجل بالكلية بنظام التعليم الموازي، سيشعر بالتمييز والتفرقة بين زملائه بسبب مشاعر الطلاب من الفئة أعلاه، ولكنه من ناحية أخرى قد يشعر بالفوقية بسبب قوة الحالة المادية له التي مكنته من الحصول على مقعد في الكلية التي يرغبها
* طالب لم يستطع التسجيل بالكلية تنقصه علامة واحدة (وكان سيستطيع التسجيل إن لم يتم حجز 20% من المقاعد لنظام التعليم الموازي) : سيشعر بالسخط على المجتمع وعلى وزارة التعليم العالي الظالمة التي وضعت هذا النظام الذي هضمه حقه مقابل ملئ جيوب الوزارة، كما سيشعر بالسخط على أهله وحالتهم المادية البسيطة التي لم تمكنهم من دفع رسوم التعليم الموازي له ليدخل الكلية التي يحلم بها، بالإضافة إلى ذلك فإن سيصبح من فئة الطلاب الأولى أعلاه في كليته التي يسجل بها بالشعور بالتفوق على طلاب التعليم الموازي هناك وتتكرر الحلقة نزولا بين الفئات الثلاثة للطلاب.
من وجهة نظر أهل الطالب، سيكون الوضع مشابها لحالة الطلاب، بأن يشعر أهل الطالب الميسورين ماديا الذي استطاع التسجيل في التعليم الموازي بقدرتهم على "شراء" أي مقعد في الكلية التي يرغب بها ابنهم بالنقود، أو أن يكدح أهل الطالب من الطبقة المتوسطة لتأمين أقساط الجامعة المرتفعة مقابل حصول ابنهم على أفضل مستوى تعليمي (بنظرهم)، أو أن يشعر أهل الطالب من الطبقة الفقيرة بالنقمة على المجتمع الذي يضع النقود دائما حاجزا للتمييز بين الناس حتى في أمور العلم والمعرفة التي يفترض أن تكون متاحة الفرص للجميع.
الآن يبقى المجتمع الذي سيكون ببغاءا لأحاديث أنواع الأشخاص المذكورة في الأعلى و يترقب نتائج المفاضلة ويبارك لزيد على دخوله كلية أحلامه ويرطب خاطر عمرو لعدم توفقه في الحصول على مقعد ذهبي في الكلية التي كان يحلم بها أهله طوال سنوات دراسته الاثنتي عشر.
بعد بحث قصير تبين أن التعليم الموازي هو نظام وضعته وزارة التعليم العالي منذ العام الدراسي 2002/2003 والذي كان قد طبق في بعض الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية حيث يدرس الطلاب التابعين جنبا إلى جنب مع الطلاب المقبولين بالمفاضلة العامة ولكن برسوم أعلى (تصل إلى عشرات الأضعاف حسب علمي) مقابل التسامح في بعض العلامات من مجموع الثانوية العامة.
من وجهة نظر وزارة التعليم العالي فهو "بزنس" كبير يدر الذهب، حيث يتم حجز نسبة (أخالها تصل إلى 15 - 20 %) من عدد مقاعد كل قسم لطلاب التعليم الموازي وإدخالهم برسوم عالية دون أن يتطلب منها ذلك أي زيادة في البنية التحتية للكليات (حيث أن عدد الاستيعاب لا يزيد عموما) بل يكون على حساب نسبة الطلاب الذين لا يستطيعون دفع رسوم التعليم الموازي والذين تكون علاماتهم على الأرجح مساوية لعلامات من حصل على مقاعد التعليم الموازي في تلك الكلية، وعلى حساب أعضاء الهيئة التدريسية الذين سيتلقون طلاب ذوي درجة تحصيل أدنى من المعدل الذي كان موجود سابقا مما يحملهم بأعباء نسبية (ربما تكون غير ملحوظة وغير مقاسة كميا) ولكن بالمقابل رفع المدخول لأعضاء الهيئة التدريسية قد يؤدي إلى سد تلك الفجوة. أما من وجهة نظر فلسفة التعليم، فإن نظام كهذا سيكون محققا لأهداف وزارة التعليم العالي في تحقيق العدل في التعليم للجميع وذلك بمساعدة الطلاب الذين تنقصهم بعض العلامات بسبب أو بآخر وذلك قد لا يعكس مستواهم الدراسي الحقيقي على دخول الكلية التي يرغبون بها، إلا أن ذلك سيكون تحقيقه بشكل واقعي أكبر إن تم توسيع عدد المقاعد الدراسية للكليات لهؤلاء الفئة من الطلاب وليس حجز نسبة من المقاعد الحالية على حساب طلاب المفاضلة العامة.
من وجهة نظر الطالب فلدينا ثلاث حالات (حالات عامة قد لا تنطبق على الجميع) :
* طالب مسجل بالكلية دون تعليم موازي، سينتابه الشعور بالفوقية على طلاب التعليم الموازي وذلك لاعتبار نفسه (لا شعوريا) بأنه متفوق دراسيا عليهم وأنهم دخلوا الكلية بسبب النقود
* طالب مسجل بالكلية بنظام التعليم الموازي، سيشعر بالتمييز والتفرقة بين زملائه بسبب مشاعر الطلاب من الفئة أعلاه، ولكنه من ناحية أخرى قد يشعر بالفوقية بسبب قوة الحالة المادية له التي مكنته من الحصول على مقعد في الكلية التي يرغبها
* طالب لم يستطع التسجيل بالكلية تنقصه علامة واحدة (وكان سيستطيع التسجيل إن لم يتم حجز 20% من المقاعد لنظام التعليم الموازي) : سيشعر بالسخط على المجتمع وعلى وزارة التعليم العالي الظالمة التي وضعت هذا النظام الذي هضمه حقه مقابل ملئ جيوب الوزارة، كما سيشعر بالسخط على أهله وحالتهم المادية البسيطة التي لم تمكنهم من دفع رسوم التعليم الموازي له ليدخل الكلية التي يحلم بها، بالإضافة إلى ذلك فإن سيصبح من فئة الطلاب الأولى أعلاه في كليته التي يسجل بها بالشعور بالتفوق على طلاب التعليم الموازي هناك وتتكرر الحلقة نزولا بين الفئات الثلاثة للطلاب.
من وجهة نظر أهل الطالب، سيكون الوضع مشابها لحالة الطلاب، بأن يشعر أهل الطالب الميسورين ماديا الذي استطاع التسجيل في التعليم الموازي بقدرتهم على "شراء" أي مقعد في الكلية التي يرغب بها ابنهم بالنقود، أو أن يكدح أهل الطالب من الطبقة المتوسطة لتأمين أقساط الجامعة المرتفعة مقابل حصول ابنهم على أفضل مستوى تعليمي (بنظرهم)، أو أن يشعر أهل الطالب من الطبقة الفقيرة بالنقمة على المجتمع الذي يضع النقود دائما حاجزا للتمييز بين الناس حتى في أمور العلم والمعرفة التي يفترض أن تكون متاحة الفرص للجميع.
الآن يبقى المجتمع الذي سيكون ببغاءا لأحاديث أنواع الأشخاص المذكورة في الأعلى و يترقب نتائج المفاضلة ويبارك لزيد على دخوله كلية أحلامه ويرطب خاطر عمرو لعدم توفقه في الحصول على مقعد ذهبي في الكلية التي كان يحلم بها أهله طوال سنوات دراسته الاثنتي عشر.
الثلاثاء، 25 أغسطس 2009
تعديل دستوري
خيم الصمت على القاعة، أليس من المفترض أن يتكلم أحد هنا؟ أكثر من 300 شخص غرقوا في الصمت العميق، إلا أن بعض العيون كانت تتكلم بمفردها وهي مغلقة كي لا يسترق السمع إليها أحد، وكان البعض يصرخ ويصرخ عاليا إلا أن ملابس الشتاء السميكة التي لا تناسب حر الصيف كتمت ذلك الصراخ في داخله. البعض الآخر كان يفكر "يا ترى ما الذي سيحصل لبطل مسلسل السهرة اليوم؟ هل سيستطيع التقدم لخطبة حبيبته؟"، أحدهم كان يفكر بالذهب والورود والحرير، وآخر كان يحلم بالدم والسلاح والدموع.
نهض أحدهم رافعا يده، فأومأ له رئيس الجلسة آذنا له بالخروج. تنهنه آخر فتوجهت إليه عشرات الأنظار فانقلب لون وجهه إلى حمرة امتزجت مع سمرة رسمتها شمس الريف الحارقة فرفع كأس الماء إلى فمه محاولاً إخفاء تلك الحمرة في ظل الكأس الزجاجي العريض ما استطاع، واستغرق في شربة الماء إلى أن عادت الأنظار إلى ما كانت تفعل من ذي قبل.
"هل من معارض؟" صرخ رئيس الجلسة بصوت خافت إلا أن الأعوام التي أمضاها على ذلك الكرسي العالي كانت كفيلة بإسماع جميع الحاضرين هناك دون أدنى شك في ما يقول، إلا أنه لم يكد ينه عبارته إلا وكان الجميع قد عاد إلى ما كان يفعله، وعاد الصمت إلى القاعة إلا أنه في هذه المرة كان قد تخلله صوت خرزات مسبحة ذات الثلاثة والثلاثين خرزة تدور وتدور بين أصابع أحدهم والتي كان قد أحضرها معه من الحج في العام الماضي.
نهض أحدهم إلا أنه لم يرفع يده في هذه المرة. "ها هو ذو النظارات يقف مرة أخرى! الله يستر!" همس ذلك الذي كان يحلم بالذهب والحرير إلا أن همساته سمعها الكثيرين هناك. إلا أن صاحب النظارات لم يتفوه بحرف فقد كان يعلم أن صوته الخافت غير كفيل بإسماع من كان حاضرا هناك، فكرسيه كان منزويا ولم يكن قد تدرب على الحديث بصوت واضح من قبل، إلا أنه مرر ورقة كان قد أمضى الدقائق الماضية مطرقاً رأسه في كتابتها إلى مساعد الجلسة، الذي هرول بها إلى مكتب رئيس الجلسة.
رفع رئيس الجلسة نظاراته التي كان يستخدمها للنظر بعيدا مقطبا حاجبيه لقراءة الورقة التي قربها من وجهه، وبعد نصف دقيقة أعاد النظارات إلى مكانها وأنزل الورقة إلى مكتبه بعد أن همس في أذن مساعد الجلسة الذي أسرع عائدا إلى مكان الكرسي المنزوي لصاحب النظارات فهمس له بضع كلمات ثم خرجا سوية من القاعة.
"بما أنه لا معارض، فقد تم إقرار التعديل الدستوري الذي تقدمت به الحكومة مشكورة. رفعت الجلسة." قال رئيس الجلسة وبدأ بلملمة بعض الأوراق ورمي أوراق أخرى في سلة المهملات الموضوعة أسفل مكتبه أثناء تبادل بعض الكلمات مع كاتب الجلسة ومساعديه وبسمة خافتة تعلو وجهه.
بضع دقائق مرت قبل أن يُفتَحَ باب القاعة التي كانت قد فرغت من الحاضرين، ليدخل أحدهم ليلتقط حقيبته بيديه التي لا تزالا لم تجفا تماما بعد، وكان في طريقه للخروج من القاعة عندما لفت نظره وجود حقيبة أخرى متبقية على أحد المقاعد مع بعض الأوراق المنثورة على المقعد وبجانبها قلم منزوع الغطاء.
نهض أحدهم رافعا يده، فأومأ له رئيس الجلسة آذنا له بالخروج. تنهنه آخر فتوجهت إليه عشرات الأنظار فانقلب لون وجهه إلى حمرة امتزجت مع سمرة رسمتها شمس الريف الحارقة فرفع كأس الماء إلى فمه محاولاً إخفاء تلك الحمرة في ظل الكأس الزجاجي العريض ما استطاع، واستغرق في شربة الماء إلى أن عادت الأنظار إلى ما كانت تفعل من ذي قبل.
"هل من معارض؟" صرخ رئيس الجلسة بصوت خافت إلا أن الأعوام التي أمضاها على ذلك الكرسي العالي كانت كفيلة بإسماع جميع الحاضرين هناك دون أدنى شك في ما يقول، إلا أنه لم يكد ينه عبارته إلا وكان الجميع قد عاد إلى ما كان يفعله، وعاد الصمت إلى القاعة إلا أنه في هذه المرة كان قد تخلله صوت خرزات مسبحة ذات الثلاثة والثلاثين خرزة تدور وتدور بين أصابع أحدهم والتي كان قد أحضرها معه من الحج في العام الماضي.
نهض أحدهم إلا أنه لم يرفع يده في هذه المرة. "ها هو ذو النظارات يقف مرة أخرى! الله يستر!" همس ذلك الذي كان يحلم بالذهب والحرير إلا أن همساته سمعها الكثيرين هناك. إلا أن صاحب النظارات لم يتفوه بحرف فقد كان يعلم أن صوته الخافت غير كفيل بإسماع من كان حاضرا هناك، فكرسيه كان منزويا ولم يكن قد تدرب على الحديث بصوت واضح من قبل، إلا أنه مرر ورقة كان قد أمضى الدقائق الماضية مطرقاً رأسه في كتابتها إلى مساعد الجلسة، الذي هرول بها إلى مكتب رئيس الجلسة.
رفع رئيس الجلسة نظاراته التي كان يستخدمها للنظر بعيدا مقطبا حاجبيه لقراءة الورقة التي قربها من وجهه، وبعد نصف دقيقة أعاد النظارات إلى مكانها وأنزل الورقة إلى مكتبه بعد أن همس في أذن مساعد الجلسة الذي أسرع عائدا إلى مكان الكرسي المنزوي لصاحب النظارات فهمس له بضع كلمات ثم خرجا سوية من القاعة.
"بما أنه لا معارض، فقد تم إقرار التعديل الدستوري الذي تقدمت به الحكومة مشكورة. رفعت الجلسة." قال رئيس الجلسة وبدأ بلملمة بعض الأوراق ورمي أوراق أخرى في سلة المهملات الموضوعة أسفل مكتبه أثناء تبادل بعض الكلمات مع كاتب الجلسة ومساعديه وبسمة خافتة تعلو وجهه.
بضع دقائق مرت قبل أن يُفتَحَ باب القاعة التي كانت قد فرغت من الحاضرين، ليدخل أحدهم ليلتقط حقيبته بيديه التي لا تزالا لم تجفا تماما بعد، وكان في طريقه للخروج من القاعة عندما لفت نظره وجود حقيبة أخرى متبقية على أحد المقاعد مع بعض الأوراق المنثورة على المقعد وبجانبها قلم منزوع الغطاء.
الاثنين، 24 أغسطس 2009
كتاب القرائة
وقف ممسكا كتاب القراءة الذي لم يعد يشير إلى أنه كتاب قراءة إلا لون غلافه الكرتوني الأخضر وكلمة "القرائة" التي كتبها بخط يده مخطئا تهجئتها بعد أن تلفلفت حواف الكتاب الذي لازال في الخدمة منذ عهد أخيه الكبير الذي أصبح في سنته الجامعية الثانية، "طبع هذا الكتاب للمرة الأولى في العام 1981"، كان قد قرأ هذه العبارة عشرات المرات لأنها على الصفحة الأولى تحت الغلاف الكرتوني الأخضر، ذلك الغلاف الذي كانت قد اقتطعته والدته من أرومة تقويم العام الماضي وطلبت من صاحب المكتبة أن يخرزه بالكتاب بعد أن فاوضته على ثمن الخرزات لأكثر من ربع ساعة.
فاحت رائحة المازوت الجاف من الصفحة الصفراء بعد أن قلبها بإشارة من معلمه إلى أن زميلته السابقة كان قد أنهت قراءة تلك الصفحة، كان قد قدر لذلك الكتاب أن يمضي صيف العام الماضي في قبو المدرسة في أسفل ربطة كتب القراءة للصف الرابع الابتدائي ملامسا أرض القبو طوال حر الصيف، حتى عندما كان صنبور خزان المازوت ينقط على مهل في نصف قنينة مياه قديمة راميا برذاذه إلى مسافة نصف متر من حولها.
"لقد مر الأسبوع سريعا، هل انتهى دور جميع من في الصف وحان دوري في القراءة مرة أخرى؟"، "الجم..." صاح معلم الصف بصوت عال مساعدا له لبداية القراءة، كانت الكلمة أطول من أن يستطيع قراءتها دفعة واحدة، ذهب نظره مرة أخرى إلى الكلمات المكتوبة في أسفل الصفحة التي كانت أسهل للقراءة من النص المطبوع "اذهب إلى الصفحة 66 بانتظارك هدية"، كان قد ذهب هناك عشرات المرات، ثم إلى صفحة أخرى فأخرى تابعا الإرشادات فيعود من حيث بدأ.
سمع الأستاذ يقول مرة أخرى "الجم..."، فبدأ بالقراءة محمر الوجه "الجمعي..." وطرف نظره إلى زميله بجانبه الذي وضع عددا جديدا من ألغاز المغامرين الخمسة لقراءته تحت المقعد، "هل يقرأه حقا، أم أنه ينظر إلى الصور فقط؟" لم يقدر له التفكير سابقا بالنظر إلى أي كتاب آخر غير كتبه المدرسية المهترئة ومجلات الفنانات المرمية تحت كراسي الحديقة ليدرك أن ليس كل الكتب هي كتب بصور وألوان.
"الجمعية..." قال المعلم مرة أخرى وقد أصابه الملل، كان يريد الانتقال إلى من يجلس بجانبه لينهي النص دفعة واحدة قبل أن يقرع جرس الانصراف، إلا أن ضميره المهني لم يكن ليسمح له بإقصاء ضعيفي المستوى التعليمي. "الجمعية..." ردد بعد المعلم، "الجمعية الـ..."، هناك تذكر أن بعد غد هو يوم توزيع السكر في الجمعية التموينية، أرجو أن أكون آخر من يحصل على السكر في كيس القماش ليعطيني إياه موزع التموين، فأمي دائما تقول أن أكياس السكر تصلح كحفاضات جيدة للأطفال الرضع، صحيح أن السكر كان أصفر اللون، إلا أنه يحلي الشاي بكميات أقل من السكر الأبيض.
"الجمعية التعاونية الفلاحية التي ساهمت في التخلص من التسلط الإقطاعي على الفلاحين هي مكرمة من مكارم الوطن" أكمل المعلم القراءة سريعا وهو يغلق الكتاب حاملاً إياه وهو يتوجه خارجا من الصف قبل أن ينهي جرس الحصة الخامسة صوته الضائع بين صيحات الطلاب المندفعين خارج المدرسة.
فاحت رائحة المازوت الجاف من الصفحة الصفراء بعد أن قلبها بإشارة من معلمه إلى أن زميلته السابقة كان قد أنهت قراءة تلك الصفحة، كان قد قدر لذلك الكتاب أن يمضي صيف العام الماضي في قبو المدرسة في أسفل ربطة كتب القراءة للصف الرابع الابتدائي ملامسا أرض القبو طوال حر الصيف، حتى عندما كان صنبور خزان المازوت ينقط على مهل في نصف قنينة مياه قديمة راميا برذاذه إلى مسافة نصف متر من حولها.
"لقد مر الأسبوع سريعا، هل انتهى دور جميع من في الصف وحان دوري في القراءة مرة أخرى؟"، "الجم..." صاح معلم الصف بصوت عال مساعدا له لبداية القراءة، كانت الكلمة أطول من أن يستطيع قراءتها دفعة واحدة، ذهب نظره مرة أخرى إلى الكلمات المكتوبة في أسفل الصفحة التي كانت أسهل للقراءة من النص المطبوع "اذهب إلى الصفحة 66 بانتظارك هدية"، كان قد ذهب هناك عشرات المرات، ثم إلى صفحة أخرى فأخرى تابعا الإرشادات فيعود من حيث بدأ.
سمع الأستاذ يقول مرة أخرى "الجم..."، فبدأ بالقراءة محمر الوجه "الجمعي..." وطرف نظره إلى زميله بجانبه الذي وضع عددا جديدا من ألغاز المغامرين الخمسة لقراءته تحت المقعد، "هل يقرأه حقا، أم أنه ينظر إلى الصور فقط؟" لم يقدر له التفكير سابقا بالنظر إلى أي كتاب آخر غير كتبه المدرسية المهترئة ومجلات الفنانات المرمية تحت كراسي الحديقة ليدرك أن ليس كل الكتب هي كتب بصور وألوان.
"الجمعية..." قال المعلم مرة أخرى وقد أصابه الملل، كان يريد الانتقال إلى من يجلس بجانبه لينهي النص دفعة واحدة قبل أن يقرع جرس الانصراف، إلا أن ضميره المهني لم يكن ليسمح له بإقصاء ضعيفي المستوى التعليمي. "الجمعية..." ردد بعد المعلم، "الجمعية الـ..."، هناك تذكر أن بعد غد هو يوم توزيع السكر في الجمعية التموينية، أرجو أن أكون آخر من يحصل على السكر في كيس القماش ليعطيني إياه موزع التموين، فأمي دائما تقول أن أكياس السكر تصلح كحفاضات جيدة للأطفال الرضع، صحيح أن السكر كان أصفر اللون، إلا أنه يحلي الشاي بكميات أقل من السكر الأبيض.
"الجمعية التعاونية الفلاحية التي ساهمت في التخلص من التسلط الإقطاعي على الفلاحين هي مكرمة من مكارم الوطن" أكمل المعلم القراءة سريعا وهو يغلق الكتاب حاملاً إياه وهو يتوجه خارجا من الصف قبل أن ينهي جرس الحصة الخامسة صوته الضائع بين صيحات الطلاب المندفعين خارج المدرسة.
الأحد، 23 أغسطس 2009
عيد وفاة
اجتمعوا بأكفانهم البيضاء التي كانوا قد حضروها لهذه المناسبة، لملموا الزهور التي أحضرها أهله في الصباح عند زيارة قبره في ذكرى وفاته الثالثة، وزينوا بها طاولة العشاء ينتظرونه ليصحو من قيلولة بعد الظهيرة. لقد مرت السنوات الثلاث مثل لمح البصر، كان آخر من وفد إلى تلك المقبرة التي امتنعت عن استقبال المزيد من الموتى بسبب محدودية المكان. رغم أنهم شعروا بالحزن على عدم مجئ المزيد من النزلاء الجدد، إلا أنهم كانوا راضين عن عدد المقيمين الحاليين، فإن زاد العدد أكثر سيكون من المتعب التحضير لحفلات أعياد الوفاة لكل النزلاء.
صحا من نومه، كان كفنه قد تجعد فقد نسي استبداله قبل النوم، استغرب من النور الزائد في المقبرة على غير العادة، ظن أنها أحد تلك أعمال الحفريات المزعجة التي لن تجعله ينام طوال الليل مرة أخرى هي السبب في كل تلك الإنارة. نظر حوله فلاحظ اختفاء الأزهار التي أحضرها في الصباح ابنه الأكبر مع أحفاده الثلاثة الذي كان أحدهم لا يزال حديث العهد بالمشي، كانت تلك المرة الأولى التي يقابله فيها، "من ذهب بها ياترى؟ هل هو أحد سارقي المقابر مرة أخرى؟ ألم تكفه أضراس الذهب والفضة، وجماجم وعظام النزلاء هنا حتى تدنو نفسه لسرقة أزهار ستذبل مع وصوله إلى المدينة؟" "أم أنه عاشق لا يعرف لون العشق يريد أن يقدمها لحبيبة لا تفرق بين لون أزهار الموت ولون أزهار الحب؟"
نهض من مرقده يبحث عن مفتاح النور ليطفأه، وإذا بجميع أنوار المقبرة قد خفتت وانطلقت أصوات المجتمعين حول المائدة عالية "عيد وفاة سعيد". تسمر في مكانه من هول المفاجأة محمر الوجه، وبدأ قلبه ينبض عاليا، ومنذ ذلك الحين وفي تلك المقبرة قبر فارغ.
صحا من نومه، كان كفنه قد تجعد فقد نسي استبداله قبل النوم، استغرب من النور الزائد في المقبرة على غير العادة، ظن أنها أحد تلك أعمال الحفريات المزعجة التي لن تجعله ينام طوال الليل مرة أخرى هي السبب في كل تلك الإنارة. نظر حوله فلاحظ اختفاء الأزهار التي أحضرها في الصباح ابنه الأكبر مع أحفاده الثلاثة الذي كان أحدهم لا يزال حديث العهد بالمشي، كانت تلك المرة الأولى التي يقابله فيها، "من ذهب بها ياترى؟ هل هو أحد سارقي المقابر مرة أخرى؟ ألم تكفه أضراس الذهب والفضة، وجماجم وعظام النزلاء هنا حتى تدنو نفسه لسرقة أزهار ستذبل مع وصوله إلى المدينة؟" "أم أنه عاشق لا يعرف لون العشق يريد أن يقدمها لحبيبة لا تفرق بين لون أزهار الموت ولون أزهار الحب؟"
نهض من مرقده يبحث عن مفتاح النور ليطفأه، وإذا بجميع أنوار المقبرة قد خفتت وانطلقت أصوات المجتمعين حول المائدة عالية "عيد وفاة سعيد". تسمر في مكانه من هول المفاجأة محمر الوجه، وبدأ قلبه ينبض عاليا، ومنذ ذلك الحين وفي تلك المقبرة قبر فارغ.
جدران المدنية
منذ عدة أيام وأنا متوجه إلى منزلي ليلا شاهدت ابن عرس يجري في الشارع، كان داكن اللون لدرجة اعتقدت معه أنه مجرد هر أو حتى فأر كبير إلا أن ذيله العريض لم يترك أي مجال للشك في أنه ابن عرس. ذهلت من ذلك حيث أنها كانت أول مرة أرى فيها ابن عرس في حياتي، فما بالكم إن كان ذلك ابن عرس الذي شاهدته في منتصف مدينة مكتظة بالسكان!
فكرت في نفسي قليلا، لم يكن غريبا أن أشاهد قطا أو فأرا أو حتى كلبا يمر في الشارع بينما كان من الغريب أن أشاهد ابن عرس؟ أليست كل ما ذكرت حيوانات؟ بل إن ابن عرس هو من فصيلة القطط أي لن يمنع ظهوره في الشارع ما يمنع ظهور أي قطة. لماذا ما الغريب في ظهور ابن عرس في المدينة؟ لم أجد تفسيرا لغرابة اعتقادي بظهور ابن عرس في المدينة إلا جدران المدنية المرسومة في رؤوسنا حول قداسة المدن البشرية وعزلتها عن العالم الخارجي أو بالأحرى مما يحيط بها من بيئة تضم جميع المخلوقات على وجه الكرة الأرضية وليست مقتصرة على الجنس البشري فحسب.
نعم، لو كان للمدينة جدران ببوابات وعليها حراس من بني البشر يسمحون لأي كائن بالدخول أو يمنعونه لكان حقا من الغريب رؤية ابن عرس في المدينة، حيث ستمنعه الكثير من البوابات من الدخول لأن بني البشر لم يعتادوا على وجوده بينهم سواء لأنه ليس حيوانا أليفا كالقط أو الكلب، أو أنه ليس حيوانا متسللا في مجاري المياه كالفئران والجرذان، ولا يمكنه الطيران وتجاوز حواجز بني البشر كالحمام والغربان.
إلا أن العيش في المدينة لفترة طويلة ترسم حقا تلك الجدران في مخيلتنا، وتجعل أي ساكن للمدينة يعتقد بوجود تلك الجدران حول المدينة التي تمنع دخول الدببة والنمور والأسود والذئاب والضباع إليها، كما تقصي الغابات والمستنقعات والجبال خارجا فتصبح أماكن للنزهة بعيدا عن المدينة وجدرانها.
يبقى السؤال معلقا، إن رأيت اليوم ابن عرس في الشارع ما الذي يمنع من أن أرى ذئبا أو دبا في الغد يقف أمام المتجر الذي اعتدت التسوق منه؟ هل هو خوف تلك المخلوقات من بني البشر ومدنيتهم فيرسمون لأنفسهم جدران يقفون عندها، أم لأسفهم على نمط الحياة في المدينة فيأبون الدخول إليها والعيش فيها كما يعيش الإنسان المسكين آسرا نفسه في جدران المدنية التي لا وجود لها إلا في خياله الضيق وأفقه المحدود؟
فكرت في نفسي قليلا، لم يكن غريبا أن أشاهد قطا أو فأرا أو حتى كلبا يمر في الشارع بينما كان من الغريب أن أشاهد ابن عرس؟ أليست كل ما ذكرت حيوانات؟ بل إن ابن عرس هو من فصيلة القطط أي لن يمنع ظهوره في الشارع ما يمنع ظهور أي قطة. لماذا ما الغريب في ظهور ابن عرس في المدينة؟ لم أجد تفسيرا لغرابة اعتقادي بظهور ابن عرس في المدينة إلا جدران المدنية المرسومة في رؤوسنا حول قداسة المدن البشرية وعزلتها عن العالم الخارجي أو بالأحرى مما يحيط بها من بيئة تضم جميع المخلوقات على وجه الكرة الأرضية وليست مقتصرة على الجنس البشري فحسب.
نعم، لو كان للمدينة جدران ببوابات وعليها حراس من بني البشر يسمحون لأي كائن بالدخول أو يمنعونه لكان حقا من الغريب رؤية ابن عرس في المدينة، حيث ستمنعه الكثير من البوابات من الدخول لأن بني البشر لم يعتادوا على وجوده بينهم سواء لأنه ليس حيوانا أليفا كالقط أو الكلب، أو أنه ليس حيوانا متسللا في مجاري المياه كالفئران والجرذان، ولا يمكنه الطيران وتجاوز حواجز بني البشر كالحمام والغربان.
إلا أن العيش في المدينة لفترة طويلة ترسم حقا تلك الجدران في مخيلتنا، وتجعل أي ساكن للمدينة يعتقد بوجود تلك الجدران حول المدينة التي تمنع دخول الدببة والنمور والأسود والذئاب والضباع إليها، كما تقصي الغابات والمستنقعات والجبال خارجا فتصبح أماكن للنزهة بعيدا عن المدينة وجدرانها.
يبقى السؤال معلقا، إن رأيت اليوم ابن عرس في الشارع ما الذي يمنع من أن أرى ذئبا أو دبا في الغد يقف أمام المتجر الذي اعتدت التسوق منه؟ هل هو خوف تلك المخلوقات من بني البشر ومدنيتهم فيرسمون لأنفسهم جدران يقفون عندها، أم لأسفهم على نمط الحياة في المدينة فيأبون الدخول إليها والعيش فيها كما يعيش الإنسان المسكين آسرا نفسه في جدران المدنية التي لا وجود لها إلا في خياله الضيق وأفقه المحدود؟
الجمعة، 21 أغسطس 2009
عيون النعام للسوريين؟
وصل إلى بريدي منذ عدة أيام أحد الرسائل الممررة (التي أكرهها) تتحدث عن مشروع في سورية يهدف إلى زرع قرنيات النعام للمكفوفين، بالإمكان الاطلاع على تفاصيل الموضوع على هذه الوصلة.
في الواقع لست متخصصا لا في الطب ولا في الطب البيطري لكن دفعني الفضول عن موضوع أسمع به للمرة الأولى للبحث في الأمر فأمضيت بضع ساعات متنقلا بين مواقع الإنترنت وإليكم ما تمخض عنه البحث، الذي هو عبارة عن نتائج شخصية قد تكون خاطئة.
تشير الكثير من المقالات عن النعام إلى احتمالات وجود تطبيقات لزرع قرنية النعام في الإنسان، لكن لم أجد أي بحث منشور علميا في مجلة معترف بها عن تفصيلات تجارب بشرية سابقة. وهذه بعض الوصلات التي ذكرت إمكانية إجراء مثل تلك العمليات على هذه الوصلة وهذه.
هذه المقالات لا تتعدى وصف هذه النتائج بكلمات مثل "إدعاءات" أو "احتمالية استخدام"
possible use, claims
لقرنيات النعام في عمليات نقل القرنية إلى الإنسان، ولم أجد أي ذكر لتفاصيل أي أبحاث جرت أو تجارب بشرية سابقة.
بحث آخر لفت انتباهي نشر باللغة الصينية في العام 2005 يتحدث عن رفض زرع قرنية النعام في الأرانب
الوصلة التالية توضح عنوان البحث باللغة الإنكليزية أما الملخص فهو باللغة الصينية على هذه الوصلة.
إن صياغة المقال الذي أشرت إليه في بداية رسالتي انتشر بشكل كبير في المنتديات ومواقع الإنترنت والذي لا تتجاوز صياغتها أكثر من مجرد صياغة إعلانية مليئة بالمشاعر الفياضة للدكتور ولمشروعه وللشركة المشرفة على المشروع بدعوى إنقاذ قرنيات أكثر من 50 ألف مواطن سوري، طبعا بغض النظر عن الديباجة التي في مقدمة المقالة عن سوء حال بنك القرنيات السوري الذي في الواقع يبيع القرنيات للمواطنين.
يبدو أن شركة أوبتيميد (التي أشير إليها في أكثر من مكان على أنها مؤسسة) هي شركة معدات طبية عينية مقرها في بريطانيا وهذا هو موقعها على شبكة الإنترنت، من خلال البحث ولم أجد أي منشور يتعلق بدراسات قامت بها الشركة أو أي أبحاث تمت بقيامها بأي عمليات زراعة قرنية للبشر من النعام.
بحسب معرفتي البسيطة، فإن الأبحاث التي تجرى لتطوير الأدوية الجديدة أو وسائل العلاج الجديدة تمر بالكثير من الوقت قبل أن تطبق على نطاق واسع على البشر (قد تمتد إلى حوالي 10 أعوام) تجري خلالها الكثير من التجارب على الحيوانات. ولكن أن تأتي شركة بريطانية بتمويل بحث لإجراء عمليات زرع لقرنية على الإنسان مباشرة في بلد أجنبي (والذي هو سوريا) بتمويل من الشركة دون أي سوابق لذلك النوع من العمليات سواء في بريطانيا أو في أي دولة أخرى يطرح الكثير من الشكوك حول الموضوع، في أن الشركة في الواقع تمول ذلك المشروع كجزء من ميزانيتها للأبحاث لإجراء عمليات الزرع على الإنسان في سوريا ربما لتساهل القوانين الطبية فيها، أو تساهل القائمين على سن القوانين الطبية لسبب ما أو لآخر قد يتراوح بين الجهل بما يجرى في العالم الخارجي إلى التعاطف مع حالات المرضى المتزايدة التي تحتاج لعمليات نقل القرنية.
تبقى تلك استنتاجات شخصية من شخص غير مختص، تحتمل الخطأ أو تحتمل الصواب ولكن يبقى عاتق تقديم التفسيرات على ما يجري على أرض الواقع من قبل القائمين على المشروع والمسؤولين عن القوانين الصحية في سوريا، قبل أن نرى بعض المواطنين السوريين ينظرون إلينا بعيون النعام، أو أن لا يبقى أثر على الإطلاق لأولئك المواطنين بعد وصول النعامات بعيونها البراقة.
في الواقع لست متخصصا لا في الطب ولا في الطب البيطري لكن دفعني الفضول عن موضوع أسمع به للمرة الأولى للبحث في الأمر فأمضيت بضع ساعات متنقلا بين مواقع الإنترنت وإليكم ما تمخض عنه البحث، الذي هو عبارة عن نتائج شخصية قد تكون خاطئة.
تشير الكثير من المقالات عن النعام إلى احتمالات وجود تطبيقات لزرع قرنية النعام في الإنسان، لكن لم أجد أي بحث منشور علميا في مجلة معترف بها عن تفصيلات تجارب بشرية سابقة. وهذه بعض الوصلات التي ذكرت إمكانية إجراء مثل تلك العمليات على هذه الوصلة وهذه.
هذه المقالات لا تتعدى وصف هذه النتائج بكلمات مثل "إدعاءات" أو "احتمالية استخدام"
possible use, claims
لقرنيات النعام في عمليات نقل القرنية إلى الإنسان، ولم أجد أي ذكر لتفاصيل أي أبحاث جرت أو تجارب بشرية سابقة.
بحث آخر لفت انتباهي نشر باللغة الصينية في العام 2005 يتحدث عن رفض زرع قرنية النعام في الأرانب
الوصلة التالية توضح عنوان البحث باللغة الإنكليزية أما الملخص فهو باللغة الصينية على هذه الوصلة.
إن صياغة المقال الذي أشرت إليه في بداية رسالتي انتشر بشكل كبير في المنتديات ومواقع الإنترنت والذي لا تتجاوز صياغتها أكثر من مجرد صياغة إعلانية مليئة بالمشاعر الفياضة للدكتور ولمشروعه وللشركة المشرفة على المشروع بدعوى إنقاذ قرنيات أكثر من 50 ألف مواطن سوري، طبعا بغض النظر عن الديباجة التي في مقدمة المقالة عن سوء حال بنك القرنيات السوري الذي في الواقع يبيع القرنيات للمواطنين.
يبدو أن شركة أوبتيميد (التي أشير إليها في أكثر من مكان على أنها مؤسسة) هي شركة معدات طبية عينية مقرها في بريطانيا وهذا هو موقعها على شبكة الإنترنت، من خلال البحث ولم أجد أي منشور يتعلق بدراسات قامت بها الشركة أو أي أبحاث تمت بقيامها بأي عمليات زراعة قرنية للبشر من النعام.
بحسب معرفتي البسيطة، فإن الأبحاث التي تجرى لتطوير الأدوية الجديدة أو وسائل العلاج الجديدة تمر بالكثير من الوقت قبل أن تطبق على نطاق واسع على البشر (قد تمتد إلى حوالي 10 أعوام) تجري خلالها الكثير من التجارب على الحيوانات. ولكن أن تأتي شركة بريطانية بتمويل بحث لإجراء عمليات زرع لقرنية على الإنسان مباشرة في بلد أجنبي (والذي هو سوريا) بتمويل من الشركة دون أي سوابق لذلك النوع من العمليات سواء في بريطانيا أو في أي دولة أخرى يطرح الكثير من الشكوك حول الموضوع، في أن الشركة في الواقع تمول ذلك المشروع كجزء من ميزانيتها للأبحاث لإجراء عمليات الزرع على الإنسان في سوريا ربما لتساهل القوانين الطبية فيها، أو تساهل القائمين على سن القوانين الطبية لسبب ما أو لآخر قد يتراوح بين الجهل بما يجرى في العالم الخارجي إلى التعاطف مع حالات المرضى المتزايدة التي تحتاج لعمليات نقل القرنية.
تبقى تلك استنتاجات شخصية من شخص غير مختص، تحتمل الخطأ أو تحتمل الصواب ولكن يبقى عاتق تقديم التفسيرات على ما يجري على أرض الواقع من قبل القائمين على المشروع والمسؤولين عن القوانين الصحية في سوريا، قبل أن نرى بعض المواطنين السوريين ينظرون إلينا بعيون النعام، أو أن لا يبقى أثر على الإطلاق لأولئك المواطنين بعد وصول النعامات بعيونها البراقة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)