الأربعاء، 27 يناير 2010

آذان ومآذن

ربما يكون الموضوع متأخرا، لكنه جاء في الوقت الذي آنت فيه لقطرات الندى أن تتجمع لتصبح قطرة لتسقط مطلقة صوت ارتطامها بالأرض، قد لا يكون بالصوت العالي لكنه يكفي لإلهام البعض ذوي الآذان المرهفة لكتابة بيت من الشعر .

ذات الآذان المرهفة التي تكتب أبيات الشعر على صوت قطرات الندى، ستكون من كل بد صاغية لأصوات نواقيس المعابد وأجراس الكنائس ومآذن المساجد التي تصدح كل يوم في كل مدن الدنيا. إلا أن ذات الموجات الصوتية التي تولد قطرات الندى وتلك التي تولد أصوات الدعوة للآلهة لن يكون لها المعنى ذاته لآذان الشاعر المرهفة. فأذنه المرهفة اعتادت سماع الأصوات التي لا تريد أن لها أن تسمع، فقطرة الندى لا تصدر الصوت لأنها تريد أن تسمع الجميع، بل ذلك الصوت قد يكون هو أسوأ ما تتوقعه كنهاية لمرحلة من حياتها عند انتقالها من نقاوة السماء إلى خبايا الأرض لتسري عائدة في عروق الشجرة التي كانت على أوراقها قبل برهة أو لتغوص عميقا إلى حيث لا يدري بها أحد، يا ترى هل ستعود كقطرة ندى مرة أخرى؟ أم أنها ستصبح قطعة ثلج تروي عطش الداعي للإله في حر الصيف مع أنه لم يتكبد عناء تسلق برجه الذي يعلو عشرات الأمتار كما فعل أجداده قبل أن يعبث فرانكلين بطائرته الورقية ويحضر إلينا كهرباء رعد السماء ليدير مسجل الصوت للمرة الثالثة منذ الصباح لإصابته بالزكام في ذلك اليوم.

فرانكلين هو ذاته من اخترع واقية الصواعق التي تقي داعي الإله من الموت متفحما تحت ظلال برجه إن كان مزاج السماء معكرا وقررت أن تفرغ ما خزنته من طاقة الرعد فوق مبنى معماري من الأسمنت المسلح هو من أعلى النقاط في المدينة. لم يكن فرانكلين ليحتاج لاستخدام مانعة صواعقه لو كانت كل المباني تصنع من الخشب والحجارة كما كانت قبل زمن مكبرات الصوت والأسمنت المسلح، الذي تكبد فيه أجداد صاحبنا الداعي تسلق عشرات الدرجات لإرغام شاعرنا المسكين على سماع أصواتهم والتغطية على صوت فناء قطرة الندى، إلا أن فرانكلين هو من يجب أن يلام على تعكر مزاج شاعرنا، فهو من اخترع ما يوصل الأصوات إلى آذانه، وهو من حمى تلك الأبراج لتزداد علوا لتذكر شاعرنا بأن أصوات قطرات الندى لن تسمع عندما يود سماعها بل فقط عندما يصمت الآخرون أو يصابون بالزكام عندما تكون الكهرباء مقطوعة.

الخميس، 24 سبتمبر 2009

مزج العوالم

مزج العوالم أو خلط العوالم هو مصطلح سمعته للمرة الأولى على لسان جورج كوستانزا من مسلسل ساينفيلد الأمريكي. كان جورج يتحدث عن خطورة الخلط بين أمور العمل والحياة الشخصية، وعلى وجه الخصوص ضرورة الفصل بين الأشخاص في كل من الحياة المهنية والحياة الشخصية، فمثلاً أن لا يكون الزوجان يعملان في مكان واحد، أو أن يكون زملاء العمل هم نفسهم أصدقاء في النادي، أو رفقاء السفر، وعليه يجب عدم خلط العوالم المحيطة بالفرد مع بعضها البعض.

قد يكون السبب واضحا للبعض وقد يتساءل البعض الآخر لماذا لا يجب خلط العوالم أو الأشخاص التي تتبع تلك العوالم مع بعضها البعض؟ السبب ببساطة من وجه نظر السيد كوستانزا والذي أؤيده من وجهة نظري الشخصية هو حصول الفرد على المزيد من الحرية الشخصية. لنفرض مثلا أن زوجين يعملان في مكان واحد، مهما كان الزوجان يحبان بعضهما البعض فإن مجرد لقائهما لمدة 24 ساعة في اليوم و 7 أيام في الأسبوع كفيل بإخماد شعلة الحب المتوقدة من ناحية، ومن خلط مشاكل البيت في العمل ومن حمل مشاكل العمل إلى البيت، والأسوأ هو وجود احتمال كبير لنشر أسرار البيت الخاصة في العمل مما يلغي أي قدر لخصوصية بيت الزوجية. ذات الأمر ينطبق على فصل زملاء العمل عن الصداقات الخاصة، فقد يكون هناك بعض الإشاعات أو الأقاويل أو النكات عن الشخص لا يريدها أن تخرج من نطاق مكان العمل لتلحق به في النادي، أو المنزل بل يريد أن تنتهي كل مآسي ومتاعب العمل بخروجه من باب مكان العمل ليرتاح في منزله أو عند ممارسة نشاطاته بين الأصدقاء بمبعد عنها.

تطبيق عملية فصل العوالم هو أمر بغاية البساطة، ويكون بمجرد فصل الأشخاص في مكان العمل عن الحياة الخاصة والعكس بالعكس، كما فصل الأشخاص في الحياة الخاصة سواء الأصدقاء عن العائلة أو أصدقاء العائلة عن الأصدقاء الشخصيين وهكذا سيكون لدى الشخص متنفس يعود إليه على الدوام عند مروره بوقت عصيب في أحد تلك العوالم فيهرب منها إلى عالم آخر منفصل عنه تماما.

هل جربت فكرة فصل العوالم من قبل أو هل أعجبتك لتجربها من الآن فلاحقا؟

الأحد، 30 أغسطس 2009

تعددية الأحزاب، ترف أم حاجة؟

في العديد من الدول النامية أو الدول ذات نظام الحكم الديكتاتوري تطلق الكثير من الشعارات حول ضرورة الحزب الواحد أو الوحدة الوطنية تحت ظل وفاق وطني وذلك لمنع تمزق البيت السياسي الداخلي من أجل مصلحة الشعب وهدوء باله، ولكن السؤال المطروح هو هل أن الوفاق السياسي الداخلي هي في مصلحة الدولة أم ضدها؟

قد يكون مفهوم الأحزاب بالعصر الحالي يطلق بشكل كبير على الأحزاب السياسية التي تشارك في العمل السياسي والتي تسعى لترويج خطة حكم معين للوصول للسلطة في دولة ما، ولكن كلمة "حزب" بشكل عام تشير إلى أي تجمع لعدة أشخاص تجمعهم فكرة معينة فالكثير قد سمع باسم "غزوة الأحزاب".

في الحالة العامة يكون تعدد الأحزاب السياسية في مصلحة سكان البلد (طبعا باستثناء نزاعات الأحزاب السياسية المسلحة والتي في تلك الحالة تنتفي عنها صفة الحزب السياسي إلى صفة الجماعة المسلحة) وذلك لوجود من يمثل آراء جميع طبقات الشعب من موافق ومعارض وأكثرية وأقلية ورجل ومرأة ومن جميع الأديان وبالتالي من وجهة نظر الشعب لا يشعر أي من الأفراد بعدم وجود من يمثله في سلطة الحكم، أو على الأقل عدم وجود من يستطيع أن يوصل رأيه وصوته إليه في سدة السلطة، من جهة أخرى فإنه يمنع تسلط فكرة أو مجموعة أفكار وبالتالي مجموعة الأشخاص القائمة على حراسة هذه الأفكار على السلطة في ذلك البلد وبالتالي استقصاء كل من يخالف أو من لا يعتقد بتلك الأفكار على الرغم من أنهم مواطنين لذلك البلد وهم من يدفع الضرائب التي تزود الفئة الحاكمة بقوت يومها.

من أشهر الأمثلة التي قد يعلمها الجميع على الأحزاب السياسية التي تحولت إلى أنظمة حكم ديكتاتوري أو "أنظمة الوفاق الوطني" كما كان ينظر إليها من الداخل هو النظام النازي في ألمانيا الممثل بالحزب النازي، الفاشية في إيطاليا، يوكسانكاي في اليابان وهذه الثلاثة كانت الأنظمة السائدة في الدول التي كانت من أبرز مثيري المشاكل في العالم في النصف الأول القرن العشرين، وعلى الرغم من وجود معتقدين بالأفكار الثلاثة السابقة في عصرنا اليوم إلا أنهم لا يشكلون ذات الخطر الذي سببته تلك الأنظمة في وقتها فقط لسبب وحيد وهي أن تلك الأنظمة حكمت في ذلك الوقت دون أن تشكل أطياف الدولة بكاملها.

ربما تدوينتي هذه تقليدية بعض الشيء وموضوعها قد يعيه أي مثقف، إلا أن مراجعة البديهيات من وقت لآخر أمر مهم حتى لا ننسى، ولكي لا ينسى أبناؤنا من بعدنا.

الخميس، 27 أغسطس 2009

المفاضلة العامة، تلك الكذبة الكبيرة

كتبت تدوينتي السابقة ولم يكن في حسباني شيء إلا تسليط الضوء على رأيي في وجود نوع من الطبقية الاجتماعية في طيات نظام التعليم الموازي الذي كما أسلفت لم أعاصره وقد تبقى وجهة نظري قاصرة عن بعض جوانبه سواء تلك السلبية أم الإيجابية.
إلا أن تعليقات القراء مشكورين سلطت الأضواء على جوانب غفلت عن ذهني أثناء كتابة الموضوع، وأكثر ما شدني هو عبارة "ماهي خيارات الطالب ميسور الحال، قبل التعليم الموازي؟" من uramium وعبارة "لم أفهم لم عليه ان لا يذهب للتعليم الموازي؟" من أمنية.

قد يتقبل المجتمع السوري اليوم نظام التعليم الموازي على أنه حل للطالب من أبناء الطبقة الميسورة وذلك عوضا عن سفره للدراسة في الخارج وبالتالي وجود احتمال كبير لخسارته من البلد أو تعرضه للمتاعب في الغربة أثناء دراسته؟ أتساءل هل هذا حقا هو السبب الحقيقي وراء نظام التعليم الموازي، "توطين الطلبة؟" بمراجعة صفحة إحصاءات المغتربين في موقع وزارة المغتربين نجد أن عدد المغتربين السوريين حاليا هو 981000 مغترب، أي ما يشكل حوالي 5 % من عدد السكان وهي نسبة أكبر بكثير من عدد جميع من يتقدم لامتحانات الثانوية العامة لعدة أعوام مجتمعة، ثم هل يهمنا حقاً بقاء الشباب في سورية؟ إذا ما الذي يفسر وجود أكبر نسبة من المغتربين من الطبقة العمرية في العشرينات والثلاثينات من العمر؟ طبعا كلنا يعلم السبب.

على العموم موضوع الاغتراب خارج عن نطاق هذه التدوينة. السؤال المطروح هو "هل نحن بحاجة للتعليم الموازي؟" البعض والكثير منهم من الطلبة قد يجاوب "نعم" وهي وجهة نظر أحترمها، لكن أتساءل "لماذا؟" سيكون الجواب بطبيعة الحال "لأحصل على مقعد في كلية أفضل؟" وهنا يبدأ موضوعي الجديد، "ما الذي يحدد الكلية الأفضل من الكلية الأسوأ؟"

ما يحدد "الكلية الأفضل" و "الكلية الأسوأ" في وجهة نظر المجتمع السوري هو ترتيب الكليات حسب مجموع المرحلة الثانوية في ورقة "المفاضلة العامة". كما تعلمون منذ عقود تتربع الكليات الذهبية وهي كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة على عرش تلك القائمة يليها كلية الهندسة المعلوماتية وهذه الكليات الأربع يعدها الكثير الهدف الأسمى لأي طالب في المرحلة الثانوية، تمتد القائمة لتأتي الكليات الفضية والتي تتضمن الهندسات بفروعها بدءا بالهندسة المدنية ونزولا حتى الهندسة الزراعية، تليها كليات المرتبة الثالثة التي تتضمن الحقوق والآداب والاقتصاد و .. و .. و تطول القائمة لتبدأ المعاهد المتوسطة ... حتى آخر القائمة.

لن أخدع نفسي أو أخدع الآخرين بالقول أني كنت خارج إطار المجتمع السوري عند اختيار الفرع الذي أمضيت فيه فترة دراستي الجامعية الأولى، وأني سجلت رغباتي في المفاضلة وفقا للترتيب في الأعلى، لكن والآن وبعد تمرس في المجتمع ورؤية الأنظمة التعليمية في الدول الأخرى بدأ يتضح لي سوء نظام المفاضلة العامة ذلك.

في الاعتقاد العام السائد في المجتمع السوري أن ذلك الترتيب هو ترتيب يتعلق بالمدخول المادي للخريج واحتمال تأمين فرصة عمل مستقبلية بعد التخرج، لذلك تكون المهن الصحية والتقنية في أعلى القائمة بينما تكون المهن الخدمية في منتصفها وأسفلها. طبعا هذا الاعتقاد قد يكون صحيحا في الجزء الأكبر منه خاصة إن أخذنا في عين الاعتبار الوضع العام السائد في سورية، إلا أنه ليس بالمطلق.

شخصيا أعتبر أن المبدع في أي مجال يستطيع أن يفيد المجتمع وأن يحقق دخلا أكثر من أي طبيب أو صيدلي أو مهندس، سواء كان ذلك المبدع أستاذا أو محاميا، أو رساما أو عازف قانون أو محاسبا أو نجار باتون ... الخ. قد يقول لي أحدهم، "اصح يا أخي، أنت لست في مدينة أفلاطون الفاضلة؟" ولكن هل تضمن أيها السائل العزيز أن كل الأطباء الخريجين من كلية الطب سيكونون في خدمة المجتمع وأن دخولهم ستكون من أعلى الدخول و أن لا يكون أحدهم مثل هذا الطبيب؟ من فرض أن يكون الأطباء هم من الطلاب الأكثر نشاطا دراسيا (وذلك بسبب طلب المجموع العالي لعلامات الثانوية) عن غيرهم؟ من هم أكثر من يخلد التاريخ أسمائهم، هل هم الأطباء والصيادلة والمهندسين، أم علماء الرياضيات والفنانين والأدباء؟

شخصيا لا أدعو إلى إلغاء نظام المفاضلة العامة، لأنه وللأسف أفضل الحلول الموجودة في الوضع الحالي، إلا أني أدعو المجتمع إلى تغيير وجهة نظره حول أهمية كل اختصاص جامعي وعدم الانخداع بهالة الكذبة الكبيرة لترتيب الكليات في ورقة المفاضلة العامة، بل أن يتبع الطالب ميوله واهتماماته قبل التفكير بأي أحلام وردية عن مستقبل بصدرية بيضاء، وجيوب ممتلئة بأوراق خضراء اللون سحبها من جيوب المساكين، أو قبل أن يحلم بمستقبل تلمع فيه مسطرة رسم هندسي التي سيسطر بها بناء سيتداعى على رؤوس سكانه قبل أن يأتي الزلزال الموعود.

الأربعاء، 26 أغسطس 2009

التعليم الموازي خدمة للطلاب أم طبقية اجتماعية؟

وصلني يوم أمس هاتف من أحد أقربائي يستشيرني في مفاضلة ابنه الذي أتم مرحلة دراسته الثانوية، ويستعد لدخول الجامعة. يبدو أن مجموعه يؤهله دخول أحد الكليات التي يطلق عليها المجتمع للأسف اسم "الكليات المحترمة" (والتي يتصور الكثير أنها تنتهي مع انتهاء كلمة الهندسة في لائحة الكليات في ورقة المفاضلة العامة)، إلا أنه يطمع إلى دخول أحد "الكليات الذهبية" الأربع في مقدمة المفاضلة وإن كلفه الأمر دفع رسوم التعليم الموازي. لم تكن مسميات مثل التعليم الموازي والتعليم المفتوح والجامعات الخاصة وغيرها موجودة على أيامي، إلا أن اطلاعي على الموضوع ربما كان كافيا لنصحه من حيث رأيي الشخصي بعدم التوجه إلى التعليم الموازي.

بعد بحث قصير تبين أن التعليم الموازي هو نظام وضعته وزارة التعليم العالي منذ العام الدراسي 2002/2003 والذي كان قد طبق في بعض الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية حيث يدرس الطلاب التابعين جنبا إلى جنب مع الطلاب المقبولين بالمفاضلة العامة ولكن برسوم أعلى (تصل إلى عشرات الأضعاف حسب علمي) مقابل التسامح في بعض العلامات من مجموع الثانوية العامة.

من وجهة نظر وزارة التعليم العالي فهو "بزنس" كبير يدر الذهب، حيث يتم حجز نسبة (أخالها تصل إلى 15 - 20 %) من عدد مقاعد كل قسم لطلاب التعليم الموازي وإدخالهم برسوم عالية دون أن يتطلب منها ذلك أي زيادة في البنية التحتية للكليات (حيث أن عدد الاستيعاب لا يزيد عموما) بل يكون على حساب نسبة الطلاب الذين لا يستطيعون دفع رسوم التعليم الموازي والذين تكون علاماتهم على الأرجح مساوية لعلامات من حصل على مقاعد التعليم الموازي في تلك الكلية، وعلى حساب أعضاء الهيئة التدريسية الذين سيتلقون طلاب ذوي درجة تحصيل أدنى من المعدل الذي كان موجود سابقا مما يحملهم بأعباء نسبية (ربما تكون غير ملحوظة وغير مقاسة كميا) ولكن بالمقابل رفع المدخول لأعضاء الهيئة التدريسية قد يؤدي إلى سد تلك الفجوة. أما من وجهة نظر فلسفة التعليم، فإن نظام كهذا سيكون محققا لأهداف وزارة التعليم العالي في تحقيق العدل في التعليم للجميع وذلك بمساعدة الطلاب الذين تنقصهم بعض العلامات بسبب أو بآخر وذلك قد لا يعكس مستواهم الدراسي الحقيقي على دخول الكلية التي يرغبون بها، إلا أن ذلك سيكون تحقيقه بشكل واقعي أكبر إن تم توسيع عدد المقاعد الدراسية للكليات لهؤلاء الفئة من الطلاب وليس حجز نسبة من المقاعد الحالية على حساب طلاب المفاضلة العامة.

من وجهة نظر الطالب فلدينا ثلاث حالات (حالات عامة قد لا تنطبق على الجميع) :
* طالب مسجل بالكلية دون تعليم موازي، سينتابه الشعور بالفوقية على طلاب التعليم الموازي وذلك لاعتبار نفسه (لا شعوريا) بأنه متفوق دراسيا عليهم وأنهم دخلوا الكلية بسبب النقود
* طالب مسجل بالكلية بنظام التعليم الموازي، سيشعر بالتمييز والتفرقة بين زملائه بسبب مشاعر الطلاب من الفئة أعلاه، ولكنه من ناحية أخرى قد يشعر بالفوقية بسبب قوة الحالة المادية له التي مكنته من الحصول على مقعد في الكلية التي يرغبها
* طالب لم يستطع التسجيل بالكلية تنقصه علامة واحدة (وكان سيستطيع التسجيل إن لم يتم حجز 20% من المقاعد لنظام التعليم الموازي) : سيشعر بالسخط على المجتمع وعلى وزارة التعليم العالي الظالمة التي وضعت هذا النظام الذي هضمه حقه مقابل ملئ جيوب الوزارة، كما سيشعر بالسخط على أهله وحالتهم المادية البسيطة التي لم تمكنهم من دفع رسوم التعليم الموازي له ليدخل الكلية التي يحلم بها، بالإضافة إلى ذلك فإن سيصبح من فئة الطلاب الأولى أعلاه في كليته التي يسجل بها بالشعور بالتفوق على طلاب التعليم الموازي هناك وتتكرر الحلقة نزولا بين الفئات الثلاثة للطلاب.

من وجهة نظر أهل الطالب، سيكون الوضع مشابها لحالة الطلاب، بأن يشعر أهل الطالب الميسورين ماديا الذي استطاع التسجيل في التعليم الموازي بقدرتهم على "شراء" أي مقعد في الكلية التي يرغب بها ابنهم بالنقود، أو أن يكدح أهل الطالب من الطبقة المتوسطة لتأمين أقساط الجامعة المرتفعة مقابل حصول ابنهم على أفضل مستوى تعليمي (بنظرهم)، أو أن يشعر أهل الطالب من الطبقة الفقيرة بالنقمة على المجتمع الذي يضع النقود دائما حاجزا للتمييز بين الناس حتى في أمور العلم والمعرفة التي يفترض أن تكون متاحة الفرص للجميع.

الآن يبقى المجتمع الذي سيكون ببغاءا لأحاديث أنواع الأشخاص المذكورة في الأعلى و يترقب نتائج المفاضلة ويبارك لزيد على دخوله كلية أحلامه ويرطب خاطر عمرو لعدم توفقه في الحصول على مقعد ذهبي في الكلية التي كان يحلم بها أهله طوال سنوات دراسته الاثنتي عشر.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

تعديل دستوري

خيم الصمت على القاعة، أليس من المفترض أن يتكلم أحد هنا؟ أكثر من 300 شخص غرقوا في الصمت العميق، إلا أن بعض العيون كانت تتكلم بمفردها وهي مغلقة كي لا يسترق السمع إليها أحد، وكان البعض يصرخ ويصرخ عاليا إلا أن ملابس الشتاء السميكة التي لا تناسب حر الصيف كتمت ذلك الصراخ في داخله. البعض الآخر كان يفكر "يا ترى ما الذي سيحصل لبطل مسلسل السهرة اليوم؟ هل سيستطيع التقدم لخطبة حبيبته؟"، أحدهم كان يفكر بالذهب والورود والحرير، وآخر كان يحلم بالدم والسلاح والدموع.

نهض أحدهم رافعا يده، فأومأ له رئيس الجلسة آذنا له بالخروج. تنهنه آخر فتوجهت إليه عشرات الأنظار فانقلب لون وجهه إلى حمرة امتزجت مع سمرة رسمتها شمس الريف الحارقة فرفع كأس الماء إلى فمه محاولاً إخفاء تلك الحمرة في ظل الكأس الزجاجي العريض ما استطاع، واستغرق في شربة الماء إلى أن عادت الأنظار إلى ما كانت تفعل من ذي قبل.

"هل من معارض؟" صرخ رئيس الجلسة بصوت خافت إلا أن الأعوام التي أمضاها على ذلك الكرسي العالي كانت كفيلة بإسماع جميع الحاضرين هناك دون أدنى شك في ما يقول، إلا أنه لم يكد ينه عبارته إلا وكان الجميع قد عاد إلى ما كان يفعله، وعاد الصمت إلى القاعة إلا أنه في هذه المرة كان قد تخلله صوت خرزات مسبحة ذات الثلاثة والثلاثين خرزة تدور وتدور بين أصابع أحدهم والتي كان قد أحضرها معه من الحج في العام الماضي.

نهض أحدهم إلا أنه لم يرفع يده في هذه المرة. "ها هو ذو النظارات يقف مرة أخرى! الله يستر!" همس ذلك الذي كان يحلم بالذهب والحرير إلا أن همساته سمعها الكثيرين هناك. إلا أن صاحب النظارات لم يتفوه بحرف فقد كان يعلم أن صوته الخافت غير كفيل بإسماع من كان حاضرا هناك، فكرسيه كان منزويا ولم يكن قد تدرب على الحديث بصوت واضح من قبل، إلا أنه مرر ورقة كان قد أمضى الدقائق الماضية مطرقاً رأسه في كتابتها إلى مساعد الجلسة، الذي هرول بها إلى مكتب رئيس الجلسة.

رفع رئيس الجلسة نظاراته التي كان يستخدمها للنظر بعيدا مقطبا حاجبيه لقراءة الورقة التي قربها من وجهه، وبعد نصف دقيقة أعاد النظارات إلى مكانها وأنزل الورقة إلى مكتبه بعد أن همس في أذن مساعد الجلسة الذي أسرع عائدا إلى مكان الكرسي المنزوي لصاحب النظارات فهمس له بضع كلمات ثم خرجا سوية من القاعة.

"بما أنه لا معارض، فقد تم إقرار التعديل الدستوري الذي تقدمت به الحكومة مشكورة. رفعت الجلسة." قال رئيس الجلسة وبدأ بلملمة بعض الأوراق ورمي أوراق أخرى في سلة المهملات الموضوعة أسفل مكتبه أثناء تبادل بعض الكلمات مع كاتب الجلسة ومساعديه وبسمة خافتة تعلو وجهه.

بضع دقائق مرت قبل أن يُفتَحَ باب القاعة التي كانت قد فرغت من الحاضرين، ليدخل أحدهم ليلتقط حقيبته بيديه التي لا تزالا لم تجفا تماما بعد، وكان في طريقه للخروج من القاعة عندما لفت نظره وجود حقيبة أخرى متبقية على أحد المقاعد مع بعض الأوراق المنثورة على المقعد وبجانبها قلم منزوع الغطاء.

الاثنين، 24 أغسطس 2009

كتاب القرائة

وقف ممسكا كتاب القراءة الذي لم يعد يشير إلى أنه كتاب قراءة إلا لون غلافه الكرتوني الأخضر وكلمة "القرائة" التي كتبها بخط يده مخطئا تهجئتها بعد أن تلفلفت حواف الكتاب الذي لازال في الخدمة منذ عهد أخيه الكبير الذي أصبح في سنته الجامعية الثانية، "طبع هذا الكتاب للمرة الأولى في العام 1981"، كان قد قرأ هذه العبارة عشرات المرات لأنها على الصفحة الأولى تحت الغلاف الكرتوني الأخضر، ذلك الغلاف الذي كانت قد اقتطعته والدته من أرومة تقويم العام الماضي وطلبت من صاحب المكتبة أن يخرزه بالكتاب بعد أن فاوضته على ثمن الخرزات لأكثر من ربع ساعة.

فاحت رائحة المازوت الجاف من الصفحة الصفراء بعد أن قلبها بإشارة من معلمه إلى أن زميلته السابقة كان قد أنهت قراءة تلك الصفحة، كان قد قدر لذلك الكتاب أن يمضي صيف العام الماضي في قبو المدرسة في أسفل ربطة كتب القراءة للصف الرابع الابتدائي ملامسا أرض القبو طوال حر الصيف، حتى عندما كان صنبور خزان المازوت ينقط على مهل في نصف قنينة مياه قديمة راميا برذاذه إلى مسافة نصف متر من حولها.

"لقد مر الأسبوع سريعا، هل انتهى دور جميع من في الصف وحان دوري في القراءة مرة أخرى؟"، "الجم..." صاح معلم الصف بصوت عال مساعدا له لبداية القراءة، كانت الكلمة أطول من أن يستطيع قراءتها دفعة واحدة، ذهب نظره مرة أخرى إلى الكلمات المكتوبة في أسفل الصفحة التي كانت أسهل للقراءة من النص المطبوع "اذهب إلى الصفحة 66 بانتظارك هدية"، كان قد ذهب هناك عشرات المرات، ثم إلى صفحة أخرى فأخرى تابعا الإرشادات فيعود من حيث بدأ.

سمع الأستاذ يقول مرة أخرى "الجم..."، فبدأ بالقراءة محمر الوجه "الجمعي..." وطرف نظره إلى زميله بجانبه الذي وضع عددا جديدا من ألغاز المغامرين الخمسة لقراءته تحت المقعد، "هل يقرأه حقا، أم أنه ينظر إلى الصور فقط؟" لم يقدر له التفكير سابقا بالنظر إلى أي كتاب آخر غير كتبه المدرسية المهترئة ومجلات الفنانات المرمية تحت كراسي الحديقة ليدرك أن ليس كل الكتب هي كتب بصور وألوان.

"الجمعية..." قال المعلم مرة أخرى وقد أصابه الملل، كان يريد الانتقال إلى من يجلس بجانبه لينهي النص دفعة واحدة قبل أن يقرع جرس الانصراف، إلا أن ضميره المهني لم يكن ليسمح له بإقصاء ضعيفي المستوى التعليمي. "الجمعية..." ردد بعد المعلم، "الجمعية الـ..."، هناك تذكر أن بعد غد هو يوم توزيع السكر في الجمعية التموينية، أرجو أن أكون آخر من يحصل على السكر في كيس القماش ليعطيني إياه موزع التموين، فأمي دائما تقول أن أكياس السكر تصلح كحفاضات جيدة للأطفال الرضع، صحيح أن السكر كان أصفر اللون، إلا أنه يحلي الشاي بكميات أقل من السكر الأبيض.

"الجمعية التعاونية الفلاحية التي ساهمت في التخلص من التسلط الإقطاعي على الفلاحين هي مكرمة من مكارم الوطن" أكمل المعلم القراءة سريعا وهو يغلق الكتاب حاملاً إياه وهو يتوجه خارجا من الصف قبل أن ينهي جرس الحصة الخامسة صوته الضائع بين صيحات الطلاب المندفعين خارج المدرسة.
 
Free counter and web stats